خالد الكيلاني يكتب : لماذا العاصمة الجديدة

تم النشر فى مع 0 تعليق اضيف بتاريخ : 10/01/2017 الساعة : 10:17:20

حضرات المواطنين اللي بيقولوا إيه لازمة العاصمة الجديدة ، ما كنا بفلوسها صلحنا التعليم أو الصحة ... حضراتكم طبعاً وطنيين وبتخافوا على البلد ، وعاوزينها تبقى أحسن ، وأنا معاكم إن إصلاح التعليم أولوية قصوى لتقدم هذا الوطن ، وأيضاً إصلاح أحوال الصحة ، فأملي ألا أرى في مصر مريضاً واحداً. لكن تعالوا نحسبها كده : هل تعلم حضرتك أنه خلال ال 36 عاماً الماضية تم إنشاء 30 مدينة جديدة ، منهم مدن مليونية مثل 6 أكتوبر والقاهرة الجديدة ، ومنهم مدن إنقسمت لعدة مدن مثل القاهرة الجديدة التي انقسمت للتجمعين الأول والخامس والرحاب ومدينتي ومدينة بدر وهليوبوليس الجديدة ؟ . وهل تعلم حضرتك أن المدن التي أنشأت على أطراف القاهرة فقط ، مثل 6 أكتوبر ، والشيخ زايد ، والعبور ، والشروق ، وبدر ، والتجمعين الأول والخامس ، والرحاب ومدينتي ، قد إنتقل إليها مالا يقل عن 5 مليون نسمة من سكان القاهرة الكبرى ؟ . وهل تعلم حضرتك أنه لولا إنشاء تلك المدن لكانت القاهرة قد إختنقت بمن فيها ، ولكانت حركة المرور قد توقفت تماماً ، واُضطر ساكنوها إما إلى أن يسجنوا أنفسهم داخل بيوتهم ، أو أن يذهبوا إلى أعمالهم مشياً على أرجلهم ؟ . ومع ذلك فما زالت القاهرة تئن من أزمة المرور ، وإنتشار ثقافة الزحام ، وثقافة العشوائيات ، بكل ما جرته من مصائب على أخلاق المصريين في العقود الثلاثة الأخيرة . وهل تعلم أن مصر تخسر سنوياً حوالي 40 مليار جنيه خسائر إقتصادية ، بسبب إختناق المرور في العاصمة فقط ، فضلاً عن أضعاف هذا المبلغ خسائر غير منظورة نتيجة لإنتشار أخلاقيات الزحام وثقافة العشوائيات . وأن كل الكباري والأنفاق والطرق ومشروعات مترو الأنفاق التي يتم إنشائها داخل القاهرة الكبرى طوال العقود الأربعة الماضية لم ولن تحل مشاكل المرور ، لأنها ليست أكثر من مسكنات ، والمحصلة أنها تُعد إهداراً للأموال بلا طائل . وحتى تتفهمون حضراتكم طبيعة المشكلة التي نعانيها من إستمرار القاهرة عاصمة لمصر ، فإليكم المعلومات التالية : - القاهرة الكبرى بها 22 ‎%‎ من إجمالي السكان في مصر . - القاهرة الكبرى بها 55 ‎%‎ من أماكن التعليم العالي في مصر . - القاهرة الكبرى بها 43 ‎%‎ من إجمالي الوظائف بالقطاع العام في مصر . - القاهرة الكبرى بها 40 ‎%‎ من إجمالي الوظائف بالقطاع الخاص في مصر . - القاهرة الكبرى بها 48 ‎%‎ من إجمالي عدد الأسرة في المستشفيات في مصر . - القاهرة الكبرى بها 50 ‎%‎ من إجمالي عدد السيارات الخاصة في مصر . - القاهرة الكبرى بها 95 ‎%‎ من البعثات الدبلوماسية ( سفارات وقنصليات ) في مصر . - القاهرة الكبرى بها 90 ‎%‎ من دواوين الحكومة في مصر . أما لماذا حدثت في القاهرة هذه الكارثة المرورية ، التي تفرض علينا إنشاء عاصمة جديدة بديلاً للقاهرة التي ظلت عاصمة لمصر لأكثر من ألف عام ، فإليكم الأرقام التالية التي تحدد ماذا حدث في القاهرة طوال النصف قرن الأخير . - كان عدد سكان القاهرة الكبرى في الستينيات 5 مليون نسمة ، بينما وصل عددهم الآن إلى حوالي 22.5 مليون نسمة . - كانت وسائل المواصلات في القاهرة الكبرى تضم في الستينيات : 4700 أتوبيس نقل عام ومفصلي + شبكة ترام + شبكة ترولي باص + مترو مصر الجديدة بينما تضم الآن رغم تضاعف سكانها بنسبة تُقدر ب 350 ‎%‎ ما يلي : 2000 أتوبيس نقل عام + 2.25 خط مترو أنفاق + عشرات الآلاف من وسائل النقل العشوائي ( ميكروباص وتوكتوك ) . ووصل متوسط سرعة وسائل النقل في القاهرة الكبرى إلى 10 كم في الساعة بسبب الإختناقات المرورية . كما وصل متوسط زمن رحلة العمل داخل القاهرة إلى 100 دقيقة . مع عجز في توفير وسائل النقل بكافة مستوياتها ، وعجز في توفير أماكن الإنتظار ( تحتاج القاهرة ل 1000 جراچ متعدد الطوابق لاستيعاب 450000 ألف سيارة ليس لها أماكن إنتظار ) ما تسبب عنه فوضى في الإنتظار ، وتعطيل للمرور ، وإنهاك لأجهزة المرور التي هي أصلاً ضعيفة ومتخلفة . فضلاً عن معدلات رهيبة في تلوث البيئة ، وإستهلاك زائد للوقود . كل ذلك أدى لفشل الدولة في الحل رغم ضخامة الإنفاق . ولو استمرت العاصمة في القاهرة ، لأنفقت الدولة أضعاف تكلفة العاصمة الجديدة من أجل حل مشكلة المرور ، في إنشاء كباري وأنفاق وطرق ، وطرق دائرية ومحورية ، وشراء وسائل مواصلات ، وإنشاء المزيد من شبكات مترو الأنفاق ... وسوف تظل الكارثة المرورية على حالها ، لأن معدل " الرحلات المتولدة " تزيد عن معدل مشروعات الطرق ووسائل المواصلات ، وكلما أنفقنا المزيد على الطرق والكباري والأنفاق في العاصمة الحالية ، كلما زاد معدل " الرحلات المكبوتة " التي كانت مؤجلة ، ويتم تنفيذها نتيجة إنشاء طرق ووسائل مواصلات جديدة . والدليل على هذا الكلام أن إنشاء محور صفط اللبن مثلاً لم يقلل الزحام والتكدس على محور 26 يوليو ، وإنشاء عدة محاور للوصول للتجمع الخامس لم يقلل الزحام على المحاور القديمة أو طريق السويس ، وإنشاء الطريق الدائري الأول والطريقين لدائريين الثاني والثالث لم يخففا إزدحام وسط المدينة ... بل أن الزحام والإختناقات المرورية لم تعد في منطقة وسط القاهرة فقط ، لكنها إنتقلت إلى مصر الجديدة ، بل والتجمع الخامس نفسه ( شارع التسعين مثالاً ) . ولسنا وحدنا في فكرة إنشاء عاصمة جديدة ، فالعديد من الدول تركت حكوماتها العاصمة التاريخية ، وأنشأت عواصم جديدة مثل نيچيريا التي نقلت عاصمتها من لاجوس إلى أبوجا ، والبرازيل التي نقلت عاصمتها من ساوباولو إلى برازيليا ، وتنزانيا التي نقلت عاصمتها من دار السلام إلى دودوما ، وساحل العاج التي نقلت عاصمتها من أبيدچان إلى ياموسوكري ، وكازخستان التي نقلت عاصمتها من ألما أتا إلى أستانا ، وميانمار التي نقلت عاصمتها من رانجون إلى نايبيداو ، وموسكو التي كانت أول دولة في العالم تنقل عاصمتها من المدينة التاريخية سانت بترسبوج إلى موسكو عام 1918 . وأحدث العواصم الجديدة هي بوتراجايا عاصمة ماليزيا الجديدة بديلاً عن العاصمة التاريخية كوالالامبور . التعليم هو الذي يمكن أن ينقل هذه الأمة إلى مصاف الدول العظمى ، وصحة المصريين هي التحدي الأكبر لنهوض المجتمع ، لأن العقل السليم في الجسم السليم . ولكننا لا يمكننا النهوض بالتعليم أو الصحة أو أي شيء في وسط كل هذا الزحام والفوضى والعشوائية . ولذلك كان لابد من نقل العاصمة بعيداً عن القاهرة حتى يستطيع المصريون أن يتنفسوا ، وعندما يستطيعون أن يتنفسوا ، ساعتها يمكنهم التفكير في إصلاح التعليم والصحة والبحث العلمي ، وكل المجالات . خالد الكيلاني ( الأرقام الخاصة بأزمة المرور ، مصدرها وكالة " الچايكا " اليابانية وهي وكالة التعاون الدولي التابعة للحكومة لليابانية التي بحثت على مدار عامين " أزمة المرور في إقليم القاهرة الكبرى بين الواقع والحل" )
229 مشاهدة