الرئيسية / تاريخ العرب / مأساة مجاعة جبل لبنان

مأساة مجاعة جبل لبنان

 جمال باشا” القائد العسكري العثماني طبقا لاوامر الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى، قام بحصار بري على جبل لبنان، ومنع دخول القمح تماماً لمنطقة الجبل إلا في أربعة شهور فقط في السنة، ليتم بذلك إعلان ميلاد واحدة من أبشع المجاعات في التاريخ والتي إستمرت من 1915 حتي 1918، التي قضت بدورها على ثلثي سكان لبنان الصغير وقتها، ليموت 150.000-200.000 ضحية الجوع والمرض والحرب.

أصابت المجاعة “سوريا العثمانية” ،وما تحتويه من “حلب” و “بيروت” ومتصرفة “جبل لبنان”و الأراضي الزراعية الخاصة بـ”لبنان” من وادي البقاع حتى المدن الساحلية ،خلّفت 500 ألف ضحية الجوع منهم 200 ألف فقط في “جبل لبنان”،وهو أكبر عدد ضحايا بالنسبة للكثافة السكانية في الحرب العالمية الأولى.

من الصعب العثور على من عاش أحداث المجاعة بنفسه والإستفادة من أقواله وشهادته ، إلا أن الصور أكبر ما دلّ على بشاعة ما حدث.

كما تصف روايات الأدب اللبناني التي لم تغفل أحداث المآساة كيف إمتلأت الطرقات بجثث لا لحم لها بل جلد يغطي العظم ،منتفخة بطونهم وعيونهم مفتوحة على آخرها ، كيف كانت أم تجلس على الطريق بجانبها ولدها جثة قد بدأت الفئران في نهش ما تبقى منه ،كما فتكت الأمراض بما تبقى من أجساد اللبنانيين ،فكان الجميع يبصق الدماء في الطرقات ،وما كان من جثث الأطفال ،فكان مصيرها النفايات.

أفادت بعض التقارير بإنتشار أكل الفئران والقطط في نواحي “جبل لبنان” ،كما أشار البعض لإنتشار أكل لحوم البشر أيضاً!.

“إدوارد نيكولي” 1917 يكتب في مذكراته:

” الجثث تملأ الشوارع ، الجوعى ينامون على الطرقات فلا مكان لقدم ، يمكنني أن أسمع في أي وقت بكاء الأطفال ،وأرى النساء تفتش في النفايات ليأكلوا أي شيء تمسكه أيديهم ،الصراخ الذي ملأ الشوارع قد أصمّ آذان الجميع ، البعض يغلق نوافذه وأبواب منازله على أمل عدم سماع صرخات الجوع.

“خالدة إدب” إحدى الروائيات الأتراك وناشطة سياسية لحقوق المرأة أفادت أنها لم تجرؤ على النوم في “بيروت” بسبب الصرخات المتكررة “جوعان.. جوعان”..التى كانت تسمعها.

“كريستيان طاوتيل” أحد المؤرخين الذي إستلم منذ عدة سنوات أرشيف المجاعة اللبنانية من فرنسا، والذي يحتوي على عشرات الالاف من الصفحات،دُونت عليها كلمات الرهبان المسئولين عن كل الأديرة في منطقة جبل لبنان، تحوي الصفحات شهادة الرهبان أنفسهم لما رأوه بأعينهم وأرّخته أيديهم، رسائل عدة روى بعضها “كريستيان” في تقرير خاص لقناة البي بي سي:

رسالة تحوى على حادثة مؤثرة من أحد الآباء فحواها أن أحد الآباء جاء للكاهن يعترف بخطيئته، وهي أنه أكل أولاده بنفسه من شدة الجوع.

وأخرى إنتقلت من يد الكاهن لتصل إلى كل الأديرة في جبل لبنان،تنذرهم بأن الحرب دقت أجراسها، وعليهم أن يقللوا من تناولهم للطعام، وتخزين الطحين والخبز، إن المجاعة آتية لا محالة.

الجنود لا المواطنون لهم الأولية والأحقية في الطعام، مخزون الطحين والطعام كان ينتقل إلى الجيش العثماني لحاجته للطعام في الحرب، وتُرك الشعب ليسد حاجته من أوراق الشجر، ليتساقط الناس واحداً تلو الآخر على جوانب الطرقات من شدة الجوع، فقدت قرى ربع وحتى نصف سكانها بسبب الجوع والمرض.
كانون الثاني 1916
 “بالرغم من الثلج ودرجات الحرارة المنخفضة تحت الصفر، حُرمنا من دفء النار، المجاعة هي السائدة، أعداد الجثث على الطرقات لا تُحصى، كل ما يمكننا فعله هو زيارة المرضى فقط.”

1915 سنة الجراد:
سنة 19155 كانت سنة الجراد بلا محالة، إسود الربيع ولم تعد له شمس، لا بمعنى الحرمان من الحرية، الحرية لا توجعهم كما يؤلمهم الجوع، لقد كان ذاك الربيع أسوداً بحق حينما هاجم الجراد جبل لبنان، ليقضي على الأخضر و اليابس، كانت كارثة أخرى وهماً يزيد هم اللبنانيين وقتها، الجراد قضى على ما تبقى لهم من آمال في الحياة، الجراد قضى على كل شيء.

صيف 1916 كان الأسوأ على الإطلاق، إنتشار مرض الكوليرا والتيفوئيد شاع في الأرجاء، لم يعد العدو هو الجوع فقط، المرض دمر الجميع كما فعل الجراد ومن قبله الجوع، غياب الأطباء والأدوية تسبب في نشر المرض أكثر، أما عن المرضى، فقد تمّ تركهم في غرف معزولة يواجهون الموت البطييء.

لم يسلم اللبنانيون من الجوع و المرض فحسب، بل شكّل التجار خطراً جديداً لهم لم يكن أبداً في الحسبان، جشع المال هو الآخر وجد منفذاً ليكون مشاركاً أساسياً في تلك المجاعة، يقول المؤرخون أن التجار إستغلوا الأحداث لإشباع جشعهم، فكانوا يأثرون أنفسهم بالطحين والخبز، ليخبئوه ويبيعوه بعدها بأثمان باهظة.

مجاعة 1915 من أبشع الكوارث التي شهدتها لبنان، ربما أكثر من الحرب الأهلية في 1975-1990، من نجى من المجاعة منذ عام 1920هم من يشكّلون سكان لبنان الحالية.

” الموت جوعاً ليس عملاً بطولياً، إنه لا يشبه ذلك الذي يموت مدافعاً عن أرضه”.

لقد عاشت المأساة في الأدب اللبناني، يظهر أثرها في رواية “الرغيف” لتوفيق يوسف عواد، والتي تدور أحداثها على ثلاثة محاور رئيسية: المجاعة في لبنان، الشهداء الذين علّقهم جمال باشا على المشانق، والثورة التي قام بها العرب على الأتراك.

” “يا ناس لماذا تموتون جوعا؟ قوموا ! قوموا و اقتلوا ظالميكم و احموا الرزق الذي يغتصبونه منكم . أتخافون أن يقتلوكم ؟
 و لكنكم لا تخافون الموت أنتم , لأنكم تموتون كل يوم بالمئات , و تنظرون إلى إخوتكم و آبائكم و أمهاتكم و أولادكم يموتون على مشهد منكم ولا تتحركون , بل أنتم تخافون الحياة “
 – توفيق يوسف عواد

كما صورها ببراعة “خليل جبران” في قصيدته “الموتى هم أهلي””Dead are my People” التي كتبها وهو في المنفى :

الراحلون هم أهلي، ولكنني ما زلت هنا، أتباكى عليهم في وحدتي..

الموتى هم أصدقائي، وحياتي في موتهم لا شيء سوى كارثة..

هضاب بلادي مغمورة بالدموع والدم،،

وأنا هنا، مازلت حياً كما كنت وكان أحبابي يوماً،،

يستمتعون بعطاء الحياة،،

وبتلال بلادي,,

التلال المغمورة بالضوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: