الرئيسية / ثقافة وفنون / مقهى كانون ….قصه قصيره للكاتب وليد العايش

مقهى كانون ….قصه قصيره للكاتب وليد العايش

 كان قد ضرب موعدا معها في ذاك المساء الكانوني ، الشمس التي طالما تسلطت ترتدي اليوم ثوب الغياب مرغمة ، تلك الغيوم السوداء أجبرتها على الإختباء ، بعض الطيور تسرع عائدة إلى أعشاشها ، لم يفز إحداها بطعام صغاره ، ارتدى ملابسه بلهفة ، كان شعره المنكوش يتمرد على أسنان المشط ، حضر العطر في آخر لحظة ، النور يبدأ بحزم حقيبة الرحيل ، بينما هناك يخون الظلام نفسه قادما من سبات عميق ، المقهى لم يكن بعيدا ( لا حاجة لسيارة … سأذهب مشيا ) قال لنفسه وهو يدس يديه الباردتين في جيب معطفه ، نسمة تصفع وجهه المائل للحمرة ، اقترب كثيرا من المقهى ، توقف قليلا ، فقد بدأ المطر يتساقط للتو ( ليتك انتظرت حتى تأتي ) كررها مرات في جوفه ، المقبرة تطل على أطراف المقهى ذو الأضواء الخافتة ، تلاقت مع نظراته التي كادت تهرب خوفا ، ابتسم بطرف كم المعطف ( سأزورك يوما ، لكنها زيارة أزلية … ) تمتم ثم ولج لداخل مقهاه ، أشعل سيجارته ، إحتساها مع شاي أخضر ، رمق ساعته بنظرة مريبة ، دخان السيجارة لم يتوقف ، ونظراته لم تتوقف ، كلما انبلج باب المقهى قفز قلبه إلى هناك ، لكنه لا يلبث أن يعود إلى شريانه ، كادت علبة السجائر أن تنتحر ، نفض يديه من رماد تطاير من منفضة قديمة ( فنجان قهوة سادة لو سمحت ) … عندما وضع النادل الفنجان أمامه كان يحملق نحو صدر الباب … 

– القهوة يا سيدي .. 
– إذهب إذهب … 
 شرب قهوته وكأنه يشربها لأول مرة ، ضرب الفنجان بأرض المقهى ، حمل ولاعته الصفراء ثم خرج … 
– الحساب … الحساب يا سيد … 
رمى بقطعة نقدية في الهواء دون أن يلتفت خلفه ، المطر حينها كان يسابق الليل .. 
– مساء جميل يصلح للحب ، لكنها لم تأت … 
– ربما حدث معها طارئ ما … 
كلماته كانت مسموعة ، ضحك أحد المارة ، طريق العودة كان طويلا .. 
– تراها لما لم تأت ، أليس هذا كانون الآخر … 
لم يكمل كلماته حتى صفع عيناه  كرسيان وطاولة ، شاب أسمر وهي هناك في مقهى العشاق ، كادت حدقتا عينيه أن تتفجرا ، إنها هي ، هي ، لملم بقايا قلبه المتبعثر على رصيف الذكريات ، مسح آخر دمعة بكم معطفه ، تابع سيره ، سنوات مضت وهو مازال لم يصل إلى بيته القريب … 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *