الرئيسية / رؤى ومقالات / حسـين السـاعـدي .. يكتب : داعــش … وتفـريـخ العقـارب

حسـين السـاعـدي .. يكتب : داعــش … وتفـريـخ العقـارب

كان لظاهرة (جهاد المناكحة) أصداء واسعة في الأوساط الإعلامية والسياسية
والدينية والتي أتت على إثر فتاوى تحرض الفتيات في العراق وسوريا على تقديم
أنفسهن للمجاميع الأرهابية أو السفر اليهم كنوع من (الجهاد) ، وتنسب هذه
الفتوى الى الداعية السعودي (محمد العريفي) ومشايخ سعوديين أخرين .

اليوم نحن أمام مشكلة بل كارثة إنسانية وأجتماعية ونفسية أفرزتها هذه
الفتاوى الضالة . والمشكلة تتمثل في(جيل ما بعد داعش) ، الذي هو نتاج
ولادات غير شرعية جاءت من خلال (جهاد المناكحة) أو أغتصاب (السبايا) ،
وتعتبر هذه الولادات (قنابل موقوتة) لا نعلم متى تنفجر في قادم الأيام إذا
لم يتم أحتواها وتداركها وهذه مسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي والدول
التي وقعت أجزاء كبيرة منها تحت نفوذ داعش والمنظمات الإرهابية الأخرى ؟

ويؤكد محللون أن قادة داعش يرون في الأطفال أداة أساسية لحماية نجاح
التنظيم في المستقبل، ويعتبرونهم مقاتلين أفضل وأقوى ، نظراً لأنهم
سيتربّون في أراضي داعش منذ البداية . مما يشكل ذلك نواة الجيل الثالث
والأكثر خطورة من مقاتلي تنظيم القاعدة وداعش .

وكالة (اليوروبول) وهي
وكالة تهتم بشؤون حفظ الأمن في أوروبا ومكافحة الجرائم الدولية الكبيرة
والإرهاب ، كشفت أن أبناء المقاتلين الأجانب في صفوف تنظيم داعش الإرهابي،
في سوريا والعراق، يتم تدريبهم ليصبحوا الجيل القادم من الإرهابيين . وقد
أستشعرت وكالة (اليوروبول) في تقريرها السنوي حين أكدت إن الأطفال الذين
يتربون في ظل (داعش) (يثيرون قلقاً كبيرا)ً ، ليصبحوا (الجيل المقبل من
المقاتلين) ، الأمر الذي يمثل تهديداً للدول الأوروبية . وأضاف التقرير:
(سيشكّل بعض العائدين خوفاً أكبر من خطر الإرهاب على أوروبا ، عبر تجنيد
وجمع الأموال للمتطرفين ، ناهيك عن أية أنشطة راديكالية أخرى ، كما يمكنهم
أن يشكلوا نموذجاً للراغبين في أن يصبحوا “جهاديين” ).

وذكرت دراسة
بحثية أعدتها مؤسسة «كويليام لندن» الخاصة بمكافحة التطرف الفكري، حول
تجنيد داعش للأطفال من أجل مشاركتهم في القتال (إن التنظيم الإرهابي يركز
في جهوده على تلقين الأطفال منهجًا تعليميًّا قائمًا على التطرف، وتعزيز
فكرة أن يصبح هؤلاء الأطفال إرهابيي المستقبل، حيث يتم تلقينهم الأفكار
والأيديولوجيات المتطرفة في سن مبكرة جدًّا) . وذكرت المؤسسة في تقريرها أن
ما يقارب (31) ألف أمرأة حامل في صفوف داعش . كان حملهن نتاج جهاد النكاح
الذي يمارسن مع أكثر من مسلح وفق فتاوي بوجوب جهاد النكاح ، وسوف يشكل ذلك
الجيل القادم من داعش، (في ظل وجود أكثر من 50 طفلا بريطانيا، وحوالي 800
مقاتل من بريطانيا في صفوف التنظيم الإرهابي الذي يضم أكثر من 30 ألف
أجنبي.) . إذن الدراسة تدق ناقوس الخطر من جيل داعش القادم قد يكون هو
الأعنف ، سواء بقي داعش بهيكليته المعروفة حالياً أم أندثر وأنهزم.

أن
داعش والتنظيمات المتطرفة والعصابات الإرهابية الأخرى تبذل جهوداً من أجل
السيطرة على الأطفال والشباب ذهنياً ومن ثم أمتلاكهم جسدياً ، وتحويلهم الى
قضية استراتيجية كاملة ومدروسة للوصول إلى غاياتهم حول ضمان وجودهم
وأستمرارهم وذلك عن طريق ترويضهم بأفكار جديدة، تكون عقيدته في حمل السلاح
بوجه من يختلف معهم . أن داعش تمثل الآن دور (العقرب التي تزرع صغارها في
كل زوايا البيت ، وعدم خلاص أحد من سُمها) .

نحن نعرف جيداً أن
(القاعدة) سيطرت على بعض المدن العراقية في غرب العراق أثناء أحتلال الجيش
الأمريكي وفي المرة الثانية على يد الدواعش أثناء أحتلال الموصل وبعض
المناطق في كركوك وديالى وصلاح الدين ، إضافة الى مدينتي الرمادي والفلوجة،
كما تم أغتصاب عراقيات وبيعهن في المزاد، مثل ما حصل للإيزيديات في جبل
سنجار . أن مدينة الأنبار تستطيع أن تقدم لنا صورة واضحة عن هذه الكارثة
الأجتماعية والنفسية المعقدة، خصوصاً أنها وقعت مرتين ضحية لـ (القاعدة)
مرة و(داعش) مرة أخرى . وليس مهماً أن نحصي عدد الزواجات التي يسميها
الدواعش شرعية في المناطق التي أحتلوها، لأن هناك الكثير من النساء غير
المسلمات في الموصل وسنجار وكركوك تم سبيهن وأغتصابهن .

فالدواعش، كما
يعرف الجميع، جاؤوا من كل مكان في العالم تقريباً، من الشيشان والصين
وأفغانستان وباكستان وتركيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا وأفريقيا ، ومنهم من
قتل ومن هرب ومن أعتقل في العراق لكنهم بالتأكيد تركوا خلفهم أعداداً
كبيرة من أطفال غير شرعيين مع أمهاتهم المغتصبات المريضات نفسياً
والمنبوذات أجتماعياً. خاصة وأن تنظيم داعش أصدر بيانا قال فيه: إن 600 ألف
طالب يدرسون الآن فى مدارس التنظيم فى العراق وسوريا .

لقد أكد
المتحدث باسم التحالف الدولي ستيف وارن، أن الأطفال الذين دربهم تنظيم داعش
(مشكلة) لمستقبل العراق وسوريا والمجتمع الإقليمي، وأشار إلى أنه تم غسل
أدمغتهم بأفكار لا يمكن هزيمتها إلا بأفكار أفضل ، عاداً ذلك (سيشكل مشكلة
لمستقبل العراق وسوريا والمجتمع الإقليمي لعدم إمكانية القضاء على تلك
الأفكار بالقنابل) . وعليه يجب أن تتضافر جميع الجهود من قبل علماء أجتماع
وقانون ومؤسسات دينية وعشائرية ومنظمات مجتمع مدني وطبقة مثقفة ووسائل
أعلام مرئي ومقروء ومسموع ، وأن تأخذ هذه المؤسسات على عاتقها مسؤولية
أحتواء هؤلاء الأطفال وإيجاد القوانين والتشريعات التي من خلالها تساعدهم
في إندماجهم بالمجتمع ، وحمايتهم من التوجه نحو التطرف والإرهاب وضمان
بقائهم مواطنين صالحين داخل المجتمع . السؤال هنا: كيف سينظر المجتمع
والدولة الى هؤلاء الأطفال؟ وكيف سيتم التعامل معهم وهم بلا آباء ولا أوراق
رسمية في السجلات الحكومية؟ وكيف سينظر المجتمع العشائري الى هؤلاء
الضحايا؟

أستاذ الطب النفسي السريري فتحي بن سلامة وهو فرنسي من أصول
تونسية،والمتخصص في التطرف قال: (إن كل شيء يجب أن يبدأ بالكلام. لا بد من
وضع هيكلية لكي يتحدث هؤلاء الأطفال عندما يمكنهم ذلك، قبل إعادة إدماجهم
في أسرع وقت ممكن في المناهج التربوية العادية)

ويبقى السؤال المطروح
ماهو الوضع الديني والمدني للأطفال الذين ولدوا نتيجة جهاد النكاح ؟ وخصوصا
إن مئات المسلحين غير العراقيين قد تزوجوا من عراقيات وأنجبوا أطفالاً بلا
هوية وبقي مصيرهم مجهولاً .

هذه المشكلة تكاد تكون الأكبر بعد مشكلة
وجود داعش ، نحنُ الآن في مواجهة أطفال تم وضعهم في كل مكان، أمام
المستشفيات، والملاجئ، ودور الأيتام، وبعضهم عاشوا في بيوت من الداخل، لا
تربطهم بالعائلة الراعية أية صلة، إلا الإنسانية .

أن التسجيل الرسمي
لهم أمر مستحيل التحقيق في ظل القوانين السارية في محاكم الدولة، فليس هناك
أي منفذ قانوني يسمح بذلك، والأمر يحتاج الى تشريعات خاصة.

علماً أن
المادة 12 من الدستور العراقي تمنح أبناء المرأة العراقية حق التجنس بغض
النظر عن جنسية آبائهم، وهذا أمر ممكن إذا كان هناك ما يثبت هوية الزوج،
ولكن المشكلة تكمن في عدم وجود أوراق رسمية تحدد هويات آبائهم يمكن
الأعتماد عليها في تثبيت النسب . وعليه إن تسجيل الزواج وتثبيت نسب الأطفال
أمر ممكن إذا كان هناك ما يثبت هوية الزوج . إذن نحن أمام أسئلة أشكالية
تبحث عن أجابات واقعية جريئة ، تكون على المستويين العقائدي والتشريعي
.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *