• تاريخ العرب
  • تاريخ طلعة المحمل وكسوة الكعبة من مصر للسعودية

تاريخ طلعة المحمل وكسوة الكعبة من مصر للسعودية

تم النشر فى مع 0 تعليق اضيف بتاريخ : 02/09/2017 الساعة : 1:27:10

لم تكن الملكة الشهيرة «شجرة الدر» تعلم أن رحلتها قاصدة بيت الله الحرام للحج على هودج محمول على جمل ومغطى بقماش يحيط به من كل جهة، سيكون بداية رحلة روحية وإيمانية يتخذ فيها الهودج رمزًا للخروج بكسوة الكعبة الشريفة من مصر إلى الأراضى الحجازية وأن هذا الهودج سيصبح طقسًا مصاحبًا لمناسك الحج، يحتفل الناس به ويطاف به فى أرجاء القاهرة ليتبركوا به وبما يحمله من كسوة ..وكان سلاطين مصر المملوكية يلقبون بـخدام الحرمين الشريفين، وكان المحمل يطوف القاهرة لمدة ثلاثة أيام يصاحبه الطبل والزمر و العديد من الاحتفاليات كتزيين المحلات التجارية والرقص بالخيول ، وكان الوالى أو نائب عنه يحضر خروج المحمل بنفسه الذى يحمل كسوة الكعبة التى تعتبر أقدس الأماكن الاسلامية قاطبةً وكان موكب المحمل عبارة عن جمل متزين بالحرير الملون والفضة ، وكانت رقبة الجمل ورأسه وسائر أعضائه يُحلّى بالجواهر ويحلى رسنه (مقوده) بالجواهر أيضا ويخضب جسمه بالحناء و عليه هودج فارغ ، أما الكسوة نفسها فكانت توضع فى صناديق مغلقة وتحملها الجمال وخلفها الجمال التى تحمل المياه وأمتعة الحجاج وخلف الجميع كان الجند الذين يحرسون الموكب حتى الحجاز ومن ورائهم رجال الطرق الصوفية الذين يدقون الطبل ويرفعون الرايات 
وفى البداية كان المحمل يسافر إلى السويس ثم إلى قلعة نخل وسط سيناء ثم العقبة وبعد ذلك يتجه جنوبًا ويسير بحذاء البحر حتى «ينبع» ثم إلى مسكنه في مكة المكرمة، وظل هذا الطريق قائماً حتي عام 1885م عندما انتقل الحج من الطريق البري إلي الطريق البحري. وبعد انتهاء موسم الحج كان المحمل يعود حاملاً الكسوة القديمة للكعبة بعد إبدالها بالكسوة الجديدة وتقطع إلى قطع وتوزع على النبلاء والأمراء وما زالت هذه القطع موجودة فى متحف كسوة الكعبة وبعضها فى قبور العائلة الملكية فى مصر حيث زينوا بها أضرحتهم كنوع من التبرك.
غير أن دور مصر فى كسوة الكعبة بدأ قبل ذلك بقرون ، ففي عهد ثانى خلفاء المسلمين الصحابى «عمر بن الخطاب» رضى الله عنه، أوصى بكسوة الكعبة بالقماش المصرى المعروف بالقباطى الذى اشتهرت بتصنيعه بالفيوم، والقباطى نسبة إلى قبط مصر، وكان المصريون ماهرين فى نسج أفضل وأفخر أنواع الثياب والأقمشة.
وكان يشرف على تصنيع وتطريز كسوة الكعبة مسئول يسمى " ناظر الكسوة"، ونقلها للحجاز كان يتم تحت إشراف أمير كبير يسمى " أمير الحج"، وعندما كان يقترب المحمل من مكة كان يخرج أميرها لاستقبال المحمل ويستقبل الجمل حامل الكسوة باحترام شديد، وتقول المصادر التاريخية أنه كان يقبل حافر الجمل احتراما لهيبة الكسوة ولتعظيم سلطان مصر.
ولم يكن المحمل يخرج بالحجاج المصريين فقط ، بل كان يصحبه سائر الحجيج من بلاد المغرب الإسلامى بما فيه الأندلس وبلاد أفريقيا وأحيانا كانت ياتى معهم حجاج السنغال 
وحجاج دارفور (وكانت مستقله) والاقليم الغربى لجنوب السودان ( التكروريون) وباقى السودان أو القادمين عن طريق البحر من البلاد العثمانية ، وكذلك كان كثيراً ما يأتى أمراء وملوك تلك البلاد قاصدين الحج فكانوا جميعاً يجتمعون بالقاهرة ليتوقفوا بتلك المحطة الهامة التى كانت لها أثر كبير فى صورة وشخصية مصر بمخيلة زوارها، حتى أن التراث الإسلامى يحفل بالكثير من المؤلفات التى صنفها الرحالة والأدباء المارين بمصر في رحلة الحج، وكانت وفادتهم إلى القاهرة واختلاطهم بالمصريين لها أثر فكرى وثقافى واجتماعى عميق على امتداد التاريخ المصرى.
تاريخيا ، يُعد الملك اليمنى أسعد تبع أبى كرب ملك حمير، هو أول من كسا الكعبة المشرفة بشكل كامل فى العام 220 قبل هجرة النبى (صلى الله عليه وسلم).
ثم أخذت قريش فيما بعد تتولى هذه المهمة وكانت تُقسم أموال كسوة الكعبة على بطونها (فروعها) الكبرى باعتبار أن الكعبة كانت رمزًا دينيًا يجلب لهم الحجيج من جميع أنحاء الجزيرة وينشط كذلك حركة التجارة ويحفظ لقريش مكانة دينية دونها أى مكانة أخرى، وكان ذلك يتم فى يوم عاشوراء. وبعد فتح مكة وفى أول عام يحج المسلمون فى العام التاسع من الهجرة، أصبحت كسوة الكعبة مهمة بيت المال فى المدينة المنورة.
ولقد وصف كثير من الرحالة الذين زاروا مصر خروج كسوة الكعبة من مصر كابن بطوطة وناصر خسرو وغيرهما ، ومن أهم المشاهد التى سجلتها نصوص الرحالة والمؤرخين أيضًا صورة المحمل أو قافلة الحج عبر عصورها المختلفة، إذ تعتبر تلك النصوص من أكثر المصادر التى حفظت لنا تفصيلات دقيقة عن المحمل وكسوة الكعبة فيذكر لنا الرحالة ابن بطوطة عن هذا المشهد المهيب وكيفية خروج المحمل المصرى من القاهرة فى حضور أرباب الدولة: يوم المحمل هو يوم دوران الجمل وهو يوم مشهود حيث يركب القضاة الأربعة ووكيل بيت المال والمحتسب ويركب معهم أعلام الفقهاء وأمناء الرؤساء وأرباب الدولة ويقصدون باب القلعة فيخرج إليهم المحمل على جمل وأقامه الأمير المعين لسفر الحجاز (يقصد به أمير الحج) ومعه عسكره.. ويجتمع لذلك أصناف الناس من رجال ونساء ثم يطوفون بالجمل بمدينة القاهرة ويكون ذلك فى شهر رجب.
وقد أورد الشيخ المؤرخ المقريزى في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك" أن السلطان (شاه رخ) ابن تيمور لنك فى ثلاثينيات القرن التاسع الهجرى ألح على السلطان المملوكى الأشرف برسباى فى أن يكسو هو الكعبة بدلا منه ، فكان أن رفض السلطان طلبه بعد استشارة القضاة الشرعيين، فيقول المقريزي "وأُجيب شاه رخ عن طلبه كسوة الكعبة باًن العادة قد جرت ألاّ يكسوها إلا ملوك مصر، والعادة قد اعتبرت فى الشرع فى مواضع وجُهزت إليه هدية"، كذلك فإنه بعد زوال دولة المماليك فإن بنى عثمان قد عهدوا إلى ولاة مصر بأن يجهزوا الكسوة وظل الأمر على ما هو عليه إلى انقطاعها عن مصر فى ستينيات القرن العشرين الميلادى.
أيضًا من أندر الكتابات التى قدمت وصفًا دقيقًا للمحمل الشريف ما نقله لنا المؤرخ «العياشى» الذى عاش فى القرن السابع عشر فهو يكتب عن وصف المحمل الشريف بتاريخ سنة 1073هـ/1662م فيذكر بأنه: عبارة عن قبة من خشب رائعة الصنع ملونة بأنواع الأصباغ وعليها كسوة من رفيع الديباج المخوص والجمل الحامل للمحمل فى غاية السمنة وعظم الجتة وحسن الخلقة مخضب جلده كله بالحناء ويقوده سائقه، وقد خصص لهذا الغرض ولا يستخدم الجمل لأى أغراض أخرى ما بقى على قيد الحياة ويوجد عن يمينه وشماله جمل آخر على مثل صنعته.
أما فى القرن العشرين فيمدنا الدكتور « فؤاد الماوى» فى كتابه‏: ‏ العلاقات الاقتصادية والمالية بين مصر والحجاز بتفاصيل كثيرة عن نفقات الكسوة التى كانت تعلق على الكعبة الشريفة،‏ فهى غطاء مطرز بالذهب،‏ ونهاية حوافه مطرزة بالفضة وملبسة بقشرة من الجواهر، وكانت يشرع فى صنعها فى شهر ربيع الثانى لتصبح جاهزة خلال ستة أشهر، وكان الوالى يفتش عليها بين الحين والآخر، ويقوم بوزنها الذى كان يصل عادة إلى سبعة عشر قنطارًا من الحرير، وثلاثة قناطير من الفضة الخالصة‏. ‏
وكان المسئول عن حماية القافلة وحمل الكسوة شخصية عسكرية كبيرة هو الذى لقب بأمير الحج، وبلغ من الأهمية إلى حد أنه وضع فى المرتبة الثالثة بعد كل من الباشا والدفتردار، وكان يخرج فى كل عام فى موكب كبير وسط احتفالات شعبية عارمة‏.
وفى البداية كانت تصنع الكسوة الشريفة فى مصر بمنطقة الخرنفش حتى تم نقلها إلى ميدان محمد على فسار أمامها بلوكان من أورطة المشاة التاسعة بموسيقاها وعلمها وتبعت الجماهير هذا الموكب الفخم حتى الميدان، وفى المساء كان يتم عرض الكسوة فى المصطبة ويتوافد الناس زرافات لرؤيتها بحضور جمهور عريض من الأمراء والأعيان يدار عليهم المرطبات والحلوى.
ومنذ حكم آل سعود، وتحديدًا فى عهد الملك عبد العزيز آل سعود بدأت السعودية تقوم منذ ذلك التاريخ بصناعة الكسوة المشرفة ، ففي عهد الملك عبد العزيز ، وتحديدا في مشعر منى ليلة الوقوف بعرفة عام 1344هـ - 1926م ، وقعت حادثة تقاتل بعض الحجاج النجديين المنتمين للإخوان ( اسمهم بالكامل " إخوان من أطاع الله ، و هم فرقة عسكرية وهابية مناصرة لآل سعود ) مع عساكر المحمل المصري ، ففي حج ذلك العام حصل أن تواجه الإخوان والمصريون ومحملهم في منى ، ولما رأى الإخوان المحمل وما يرافقه من طقوس وموسيقى ، صاحوا عليه بقولهم : الصنم الصنم .. خاصة بعدما رأوا تلك الأنوار متعددة الألوان التي كانت تشع منه (ووصفوه بأنه ذلك الصنم الذي تشع منه ألوانا خضراء وحمراء وصفراء) ، وعندما رأى الإخوان ذلك هجموا على قافلة المحمل ، فبادر العسكر المصري بإطلاق نار بنادقهم على المهاجمين وقتلوا بعضهم رداً علي هجومهم ، بينما قُتل الجمل الذي كان يحمل الهودج رميا برصاص الإخوان ، وكان هذا بحضور الملك عبد العزيز الذي بادر مسرعاً لتهدئة المصريين ، وأمر جيشه بحماية المحمل وحجبه عن أنظار الإخوان حرصاً على سلامته والعسكر المرافقين له من انتقامهم ، وقد تصرف الملك عبد العزيز في وقت حادثة المحمل في مكة بحنكة سياسية، فحاول في ذلك الوقت إرضاء طرفي النزاع ـــ الإخوان من جهة ، والمصريين أنصار المحمل من جهة أخرى ـــ فكان يبين للإخوان وعلماء الدعوة النجدية المعاصرين له أنه ممن ينكرون بدعة المحمل ويحاربونها وأنه على نهج سلفه في ذلك ، وأما تعامله مع المصريين ، فكان يتواصل معهم ويطلب ودهم ويعتذر لهم عما فعله الإخوان النجديين ضد المحمل والعسكر المصري .
وفي العام التالي لتلك الحادثة وعندما حان وقت مجيء الكسوة من مصر منعت الحكومة المصرية إرسالها كالمعتاد مع عموم العوائد مثل الحنطة والصرور، فصدرت أوامر الملك عبد العزيز بعمل كسوة للكعبة بغاية السرعة حيث تم إنجازها من الجوخ الأسود بدلا من الحرير والقطن المصري الذي كانت تصنع منه في مصر.

524 مشاهدة