البريد والاتصالات في الحضارة الاسلامية

تم النشر فى مع 0 تعليق اضيف بتاريخ : 06/10/2017 الساعة : 10:47:52




البريد والاتصالات في الحضارة الاسلامية




د. صالح العطوان الحيالي



اهتمَّتِ الحضارة الإسلامية بالبريد ونظم الاتصالات وأَوْلَتْهُ عناية كبيرة، وقد كان حينما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وازدادت الحاجة إلى إنشاء نظام إداري يضمن وصول الرسائل بين عاصمة الخلافة ومدن دار الإسلام، وخاصة المراسلات بين الخليفة والولاة، فتطوَّر ذلك النظام وأصبح مؤسسة كبرى لها دورها ومكانتها في الدولة الإسلامية، كما أصبح شاهدًا على مدى ما وصلت إليه حضارة الإسلام من تقدُّم ورقي.
البريد معناه وتطوُّره
ــــــــــــــــــــــــــــــــ على الرغم من تعدد الآراء حول أصل لفظة البريد، إلا أن اللفظة عربية؛ وهي تدور على أكثر من معنى، منها الرسول؛ فهم يقولون: "الحمَّى بريد الموت". يريدون أنها رسوله، تتقدَّمه وتنذر به، وقال الراجز: "رأَيتُ للموت بريدًا مُبْردَا". ويقولون لطائر الغرانق: "البريد". لأنه ينذر قدَّام الأسد .
والبَريدُ أيضًا: الرسل على دوابِّ البريد، وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله قال: "إِذَا أَبْرَدْتُمْ إِلَيَّ بَرِيدًا؛ فَابْعَثُوهُ حَسَنَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الاسْمِ" . أي: إذا أرسلتم إليَّ رسولاً، وقال أيضًا : "إِنِّي لا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ ، وَلا أَحْبِسُ الْبُرْدَ" . أَي: لا أَحبس الرسل الواردين عليَّ. قال الزمخشري: البُرْدُ ساكنًا يعني جمعَ بَرِيد، وهو الرسول، فيخفَّف عن بُرُدٍ كرُسُلٍ ورُسْل . كما قيل لدابة البريد بَريدٌ؛ لسيرها في البريد، وقد قال التنوخي: "البريد ولاية جليلة خطيرة، ومتقلِّدها يحتاج إلى جماعة كثيرة، وإلى موادَّ غزيرة، ومن جملة أعماله حفظ الطريق، وبذرقتها ، وصيانتها من القُطَّاعِ والسُّرَّاق، وطروق الأعداء، وانسلال الجواسيس في البر والبحر، وإليه تَرِدُ كُتب أصحاب الثغور، وولاة الأطراف، وهو يوصلها بأسرع ما يمكن من اختصار الطرق، واختيار المراكب والراكب، وأصحاب البريد للملوك بمنزلة العيون الباصرة، والآذان السامعة، فإن أهمل الملك ذلك، ولم يكشف له حال أوليائه وأعدائه، انطوت عنه الأخبار، ولم تستقم له السياسة، بل لا يحس بالشرِّ حتى يقع فيه" .
مهمة صاحب البريد
ـــــــــــــــــــــــ من أعمال صاحب البريد إرسال الأخبار إلى من عَيَّنَه في هذا المنصب، فهم موظفون مُخْبِرُونَ، من أعمالهم إطلاع كبار الموظفين والأمراء والملوك على الأحوال العامة للمكان الذي يقع في ضمن عملهم واختصاصهم، وإخبار الجهات المسئولة عن الأعمال المشبوهة التي قد تُدَبَّر ضدّ الدولة، وعن تصرفات كبار الموظفين؛ خشية انفرادهم في الحكم، وإعلانهم العصيان على الدولة .
فكان الغرض إذن من البريد في صدر الإسلام توصيل أوامر الخلفاء إلى ولاتهم وعمالهم، وأخبار الولاة والعمال إلى الخلفاء، ثم تَوَسَّعُوا فيه حتى جعلوا صاحبه عينًا للخليفة؛ فهو كما ينقل أمره إلى ولاته وعماله، كان رقيبًا عليهم، ينقل أخبارهم إليه، كذلك كان يتجَسَّس على الأعداء ويتعرَّف ما عندهم، فكان البريد أشبه بقلم المخابرات في وزارة الدفاع الآن، قال الصاحب علاء الدين: "ومن جملة الأشياء وَضْعُهم البريد بكل مكان؛ طلبًا لحفظ الأموال، وسرعة وصول الأخبار ومتجدّدَات الأحوال" . فكان البريد مقصورًا على أغراض الدولة، ثم أُبِيحَ فيما بعدُ للرعية أن ينتفعوا به في نقل رسائلهم .
وقد نظَّم المسلمون البريد بأن أنشئوا السكك؛ وهي مواضعُ وُضِعَتْ فيها جماعات أو فِرَق إبْدال لهذا الغرض، يقول ابن الطقطقا: "البريد أن يجعل خيل مضمرات في عدة أماكن، فإذا وصل صاحب الخبر المسرع إلى مكان منها وقد تعب فرسه؛ ركب غيره فرسًا مستريحًا، وكذلك يفعل في المكان الآخر والآخر، حتى يصل بسرعة" .
البريد في العهد النبوي
ــــــــــــــــــــــــــــ الظاهر أن نظام البريد كان سُنَّة قديمة، وأسلوبًا مُتَّبَعًا لدى الفرس والرومان ، وكان العرب قبل الإسلام كانوا على دراية به، فالبديهي أن يكون البريد معروفًا منذ عهد الرسول ؛ إذ كان يتبادل الرسائل والسفارات مع الملوك والأمراء من أجل دعوتهم إلى الإسلام، وبلغ من اهتمامه بذلك أنه أمر عُمَّاله -كما ذكرنا سابقًا- أن يُرْسِلوا له البريد مع أشخاص يتوافر فيهم حسن الوجه والاسم، كما كان حريصًا على توافر تلك الصفات فيمن بعثهم إلى الملوك المعاصرين له، مثل كسرى ملك الفرس، وقيصر الروم، وإلى المقوقس حاكم مصر، وإلى النجاشي ملك الحبشة، وغيرهم؛ وذلك لعلمه بأن المبعوث هو لسان مُتَرْجِمٌ لرغباته وآرائه، وإذا لم يكن كذلك خسر مهمَّتَه، ورجع على مُرْسِله بالخسران .
خاتم الرسول ( الختم )
ـــــــــــــــــــــــــــــــ كان من مظاهر اهتمام النبي بالبريد أنه اتخذ الخاتم؛ لأن العجم كانوا لا يقبلون كتابًا إلاَّ إذا كان مختومًا؛ لأنهم يَرَوْنَ ختم الكتب فيه تعظيم للمكتوب إليه
وعندما اضطلع المسلمون الأوائل بالجهاد في سبيل الله, وانساحوا في كل صوب من أجل الدعوة, وحقَّقُوا الكثير من الانتصارات, واتَّسَعَتْ رقعة دولتهم, وبخاصة في عهد الخلفاء الراشدين, كان لزامًا عليهم تحسين الخدمة البريدية لِتَصِلَ بين أطراف دولتهم المترامية, وبين مقرِّ الحكم، وقد حمل الجند على عاتقهم خلال الفتوحات إلى جانب واجب الجهاد عبء نقل البريد، وكان الخليفة عمر يتلقَّى بصفة منتظمة رسولاً من جيوش المسلمين المحاربة , وكان على اتِّصال دائم بالجيوش, بل حَثَّهم على أن يُخْبِرُوا عن كل ما يصادفون, وأن يَصِفُوا كلَّ ما يشاهدون, لكي يحسَّ بأنه يحيا بينهم, ويشاطرهم مصاعبهم, وما يُحَقِّقُون من انتصارات, ولكي يُقَدِّمَ لهم النصح والإرشاد حين الحاجة.
البريد في العصر الأموي
ـــــــــــــــــــــــــــــــ لما قامت الدولة الأموية جعل معاوية بن أبي سفيان لديوان البريد اختصاصات، وقواعد مُقَنَّنَة من أهمِّهَا الإشراف على كل شئون الدولة، وبذلك كان معاوية أول من أدخل نظام البريد في الإسلام على هذا النحو المُقَنَّن؛ حيث وُضِعَ ديوانٌ للخاتم لتنظيم البريدِ وإحضارِ عمال من الروم والفرس لهذا الغرض
ثم جاء عبد الملك بن مروان فأدخل على ديوان البريد العديد من التحسينات؛ ليصبح أداة مهمَّة في إدارة شئون الدولة، وذلك مثل مسح الأرض، ووضع حدود على كل مساحة، فضلاً عن أربعة طرق تمتدُّ من القدس إلى دمشق، وبلغ من عناية عبد الملك بن مروان بالبريد أنه أوصى حاجبه أن لا يمنع صاحب البريد من الدخول عليه ليلاً ونهارًا، فذُكِرَ عنه أنه قال لابن الدغيدغة: "وَلَّيْتُكَ ما حضر بابي إلاَّ أربعة: المؤذن فإنه داعي الله تعالى فلا حجاب عليه، وطارق الليل فشرٌّ ما أتى به ولو وجد خيرًا لنام، والبريد فمتى جاء من ليل أو نهار فلا تحجبه؛ فربما أفسد على القوم سَنَةً حبسهم البريد ساعة، والطعام إذا أدرك فافتح الباب، وارفع الحجاب، وخَلِّ بين الناس وبين الدخول" .
وفي عهد الوليد بن عبد الملك زاد اتساع شبكة البريد لتخدم التقدُّم العمراني والاقتصادي الذي كان ينشده, ووفَّر لها من الخيل والإبل العدد الكبير, وأنشأ لها السكك (المحطات) في كل أنحاء الدولة, وبلغ من أهمية البريد في عهده أن حُمِلَ على ظهور دوابِّه الفسيفساء (الفصّ المُذَهَّب) من القسطنطينية إلى دمشق، حتى صُفِّح منه حيطان المسجد الجامع بها، ومساجد بمكة والمدينة والقدس .
وكذلك اهتمَّ عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- بتنظيم البريد؛ حيث أنشأ المحطات والخانات, وأقام أحواض السقيا، ومخازن العلف للدواب في كل المسالك والطرق التي يُحْمَلُ عَبْرها البريد، وقد بلغ من وَرَعِ عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- أنَّه كان لا يحمل على البريد إلاَّ في حاجة المسلمين؛ لأنَّ البريد كان مخصَّصًا لخدمة الدولة، وكتب إلى عامل له يشتري له عسلاً، ولا يُسخَّرُ فِيه شيئًا، وأن عامله حمله على مركبة من البريد، فلمَّا أتى قال: على ما حمله؟ قالوا: على البريد. فأمر بذلك العسل، فبِيعَ، وجعل ثمنه في بيت مال المسلمين، وقال: أفسدتَ علينا عسلك .
البريد في العصر العباسي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما في العصر العباسي فيُسْتَشَفُّ من المصادر التاريخية أن خلفاء هذا العصر قد اعتنوا بالبريد عناية كبيرة، واعتمدوا عليه كثيرًا في إدارة شئون دولتهم، وكان أبو جعفر المنصور يقول: "ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر، لا يكون على بابي أعفَّ منهم. قيل له: يا أمير المؤمنين، مَنْ هم؟ قال: هم أركان الملك، ولا يصلح الملك إلاَّ بهم، كما أن السرير لا يصلح إلاَّ بأربع قوائم إن نقصت واحدة وَهِيَ (أي ضَعُف): أما أحدهم فقاضٍ لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية؛ فإني عن ظلمها غني، والرابع - ثم عضَّ على أصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول في كل مرة: آه آه. قيل له: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحَّة" .
يقول فون كريمر: "إنه كان على كل رأس مصلحة في الولايات الكبيرة عاملُ بريدٍ، مهمته موافاة الخليفة بجميع الشئون المهمَّة، بل والإشراف على أعمال الوالي، كما كان بعبارة أخرى مندوبًا أَوْلَتْهُ الحكومة المركزية ثقتها". فكان الخلفاء يَعُدُّون عمال البريد عونًا لهم على الإشراف على أمور دولتهم، وبواسطتهم كانوا يقفون على أعمال ولاتهم وسائر رجال دولتهم .
وقد أحاط هارون الرشيد دولته بشبكة دقيقة من خطوط البريد؛ ليتوخَّى السرعة في تلقِّي الأخبار، وإصدار الأوامر إلى وُلاَتِهِ، وقُسِّمَتْ هذه الخطوط إلى محطات، وفي كل محطة يوجد عدد من العمال والخيل، وكلُّ ما يحتاج إليه عامل البريد من زادٍ، وعلف، ومياه .
ويذكر ابن كثير في أحداث سنة (166هـ/ 782م) أن الخليفة المهدي أمر بإقامة البريد بين مكة، والمدينة، واليمن، وأنه لم يفعل أحد هذا قبل هذه السنة .
البريد في عصر المماليك
ــــــــــــــــــــــــــــــــ كذلك ارتقى البريد في عهد المماليك، وبخاصَّة في أيام السلطان بيبرس؛ فقد وضع له نظامًا يكفل ارتباط جميع أجزاء الدولة بعضها بالبعض الآخر بشبكة من خطوط البريد البرية والجوية (عن طريق الحمام الزاجل)، وكان مركز هذه الخطوط قلعة الجبل (شرقي القاهرة) التي أنشأها صلاح الدين سنة (572هـ/1176م)، وكان يتفرَّع منها أربعة خطوط برية هي:
خطٌّ إلى قوص، ومنها إلى أسوان، وما يليها من بلاد النوبة.
خطٌّ إلى عَيْذاب (عن طريق قوص) وما يليها من سواكن.
خطٌّ إلى الإسكندرية.
خطٌّ إلى دمياط ومنها إلى غزة .
وقد أصبح البريد في عهده يصل إلى مصر مَرَّتَيْنِ في الأسبوع، وكان يُشْرِفُ عليه صاحب ديوان الإنشاء .


2030 مشاهدة