ثقافة وفنون

سيدار سنجور عاشق افريقيا وفيلسوف أدب الزنوجة

سيدار سنجور
عاشق افريقيا وفيلسوف أدب الزنوجة
فى التاسع من أكتوبر الجارى تحل ذكرى رحيله السنوية



بقلم – الكاتبة المصرية
سماح دياب



يعتبر ليبولد سيدار سنجور من أهم المساهمين فى وضع أسس الهوية الافريقية .
ولد سنجور في عائلة ارستقراطية فى 9اكتوبر عام1906 بمدينة ساحلية صغيرة “جوال” تبعد مائة كيلومتر عن العاصمة السنغالية داكار, لعائلة كاثوليكية لذلك بدأ دراسته في إحدي المدارس الداخلية الكاثوليكية في ” ناجاسوبيل ” .
فى عام 1923 أصبح سنجور طالبا فى كلية “ليبرمان ” وبناء على تفوقه حصل على منحة من الحكومة الفرنسية ؛وسافر الى فرنسا عام 1928 لاستكمال دراسته ؛والتحق عام 1931 بجامعة السوربون لدراسة الادب كما حصل على الجنسية الفرنسية .
عشق سنجور الفرنسية وأجاد اللاتينية واليونانية وظهر تميزه في كتابة الشعر منذ أن كان طالبا ، ومن خلال التقائه بالشاعر “ايمى سيزار” الذى كان طالبا فى باريس وقتها استطاع سنجور الاتصال بالطلاب الكاريبيين وتابع كتابات الافروامريكيين وشعراء نهضة هارليم وكتابات حركة الزنوجة الجديدة .
ذاع صيت سنجور وأصبح بعد فترة رئيسا لاتحاد طلاب السنغال الذى كان قد تكون فى باريس.
عمل سنجور مدرسا للادب وقواعد اللغة الفرنسية بمدرسة ثانوية فى مدرسة تورس “Tours” الفرنسية ،وأصبح له علاقة ب “جورجس بامبيدو” الذى أصبح رئيسا فى المستقبل .
درس سنجور علم اللغويات وعلم الانثرجرافيا الافريقى وحاول من خلاله أن يدلل على تفرد الثقافة الافريقية ؛وفى بداية الحرب العالمية الثانية أنضم الى الجيش الفرنسى والقى القبض عليه من خلال الجيش الالمانى وقضى ثمانية عشر شهرا فى محبسه الذى استغله فى كتابة العديد من القصائد والمقالات ،شعر سنجور بالكراهية والاشمئزاز لكل أنواع الحروب وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية ،وأراد بشدة أن يكون رجل سلام ورجل اصلاح ولذلك ظهرت مظاهر العنف فى كثير من قصائده ضد الاستعمار والامبريالية الاوروبية ،ومن شدة تأثره بوضع الافريقيى فى تلك الحروب عبر بالعديد من القصائد والاعمال الادبية عن حزنه العميق لسوء معاملة الافارقة ،ويرثى فيها الجنود الذين ماتوا بدون اى ذنب ارتكبوه فى حين كرمت فرنسا جنودها ووضعت اكاليل الزهور على قبورهم ولم تهتم بالجنود الافارقة الذي بلغ عددهم 500,000 افريقيى ،قد وقفوا فى الصفوف الاولى كمشاة لصد الاذى عن الجنود الفرنسيين خلال الحربين العالميتين .
وبعد الافراج عن سنجور بفترة تقلد عدة مناصب فى منظمة اليونسكو ثم فى جمعية المجلس الاوروبى .
لقد كان سنجور يعارض قطع العلاقات مع فرنسا وعارض استفتاء سبتمبر 1958 بشأن استقلال غرب افريقيا وقام بتشجيع تكوين اتحاد مالى الذى شغل منصب أول رئيس له ؛ثم أصبح سنجور أول رئيس للسنغال المستقلة فى يناير 1961وظل رئيسها حتى عام 1980 حيث أعلن تقاعده عن العمل السياسى
سنجور والهوية الافريقية
لقد ظهرت الزنوجة نتيجة خبرات التمييز والاغتراب التى مر بها الطلاب السود
القادمون من افريقيا والكاريبى الذين كانوا فى باريس فقد كان لوعيهم بالعنصرية والاختلافات الثقافية الاثر والواقع لتساؤلهم حول هويتهم الثانية كسود وفرنسيين
وحاولوا معارضة سياسة الاستيعاب ورفضوا فكرة دونية الثقافة الافريقية من خلال ابراز وتنمية الاهتمام بأفريقيا وثقافتها وتاريخها التى تتمتع بنوع من التفرد
لقد قدم سنجور اسهامه فى ذلك المجال من خلال شعره الذى يحتفى فيه بكونه اسود فى مجتمع عنصرى ؛وبدء عام 1936 فى استخدام مفهوم الزنوجة ؛فلزنوجة فى فكر سنجور تقوم بوظيفة دلالية فى السياق الكامل للقومية السوداء ،هى حالة داخلية للانسان الاسود من خلالها تبرز كينونته ؛وهى عند سنجور تأكيد للذات الثقافية والاثنية للافارقة ؛ ومن وجهة نظره فأن الدور السياسى للزنوجة يتمثل فى أعداد السود سيكولوجيا للتجاوب مع الحداثة وسط تأكيد على الذات السوداء الزنجية ؛فكان يرى أن الثقافة “رد الفعل الاثنى للأنسان بناء على بيئته وذلك بهدف الوصول لتوازن فكرى وأخلاقى بين الانسان وبيئته .
سنجور شاعرا
فى أغلب قصائد سنجور توجيه لكل افريقى وكل اسود الى اليقظة والصحوة من الغفلة التى تخيم على كل أفرقيا وبلدانها ،لقد تغلبت النزعة الادبية عند سنجور لكى يدافع بها عن أفريقيته وعن حرية بلاده من القيود الاستعمارية .
كان سنجور الشاعر يأبى أن يتنازل عن شخصيته الافريقية ويصر على الاحتفاظ بأصالته ويفتخر ببشرته السوداء ،لقد كان يستفيد من المامه بالثقافة الافريقية والفرنسية ،وفى كثير من المواقف كان سنجور شديد الفرنسية بالنسبة لأفريقيا وشديد الزنجية بالنسبة لفرنسا .
تعد قصيدة التحرر من اهم قصائد سنجور ،وكانت لها صدى كبير فى المستعمرات الفرنسية بغرب افريقيا حيث يحث فيها الافارقة على النضال والتحرر من نير الاستعمار .
أما قصيدة “لوكسمبورج” سنة 1939 وقصيدة “باريس فوق الثلج” يعبر فيهما سنجور عن أفكاره التحررية حيث قال” هاهو قلبى يذوب كما يذوب الثلج وانى لا أنس الايادى البيضاء التى أطلقت تلك البنادق ،وبها تهدمت الامبراطوريات والايدى التى جلدت العبيد ،والايدى القوية الواثقة من قوتها التى اسلمتنى للوحدة والحقد ،والايدى البيضاء التى انهالت على غابات افريقيا فى قلب افريقيا العذراء”.
والفرق بين شعر سنجور والشعراء الاخرين فى ذلك المضمار انه تناول الادب والشعر بروح قومية وليست بالعنصرية كشأن الباحثين الغربيين ،لذلك أستخدم فى قصائده الالات الافريقية والكلمات الافريقية التى عبرت عن جذوره الافريقية
لقد سئل الرئيس الراحل ليوبولد سنجور عن الخيار الذى ينحاز اليه بين أن يكون رئيسا أو استاذا جامعيا أو شاعرا فأجاب ” اختار قصائدى” ؛أصدر فى حياته ثمانية دواويين شعرية ؛ من أهما ديوان اثيوبيات وديوان قربان أسودومواسم الامطار ،ورثاء الصابيات وديوان مرثيات الرياح الخفيفة .
كما قدم العديد من المقالات والتى ضمت عدة كتب صدرت وترجمت الى اغلب لغات العالم ؛بالاضافة الى منتخبا من الشعر الافريقى والملاجاشى بمقدمة ل”جان بول سارتر” جمع فيه نخبة متميزة من شعر زملاءه الذين يكتبون بالفرنسية .
نجح سنجور عام 1947 فى تأسيس مجلة Presence Africaine”” وهى أهم مجلة ثقافية جامعة تعنى بأفريقيا فى أوروبا ومازالت تصدر حتى اليوم .
نال سنجور العديد من الجوائز لعل أهمها جائزة نوبل ،الجائزة الدولية الكبرى للشعر عام 1963 ،والميدالية الذهبية الفرنسية عن مجمل مؤلفاته ،وجائزة موناكو الادبية عام 1977 ،بالاضافة للعديد من الجوائز العالمية .
رحل سنجور فى 20 ديسمبر 2001 فى باريس ؛ بعد أن رسخ لمبدأ أن الفن الحقيقى هو السبيل الوحيد لتحقيق الذات وأن الاخوة ليست فقط رباطا وثيقا بين ابناء الجنس الواحد ولكنها رباط لكل البشر فى شتى أنحاء العالم ؛ ليظل سنجور نفسه أهم شاعر افريقى كتب بالفرنسية ليشكل شعره عالما بذاته وهو عالم يغرى بالدخول اليه والتأثر به.
مختارات من شعره ..جزء من قصيدة بعنوان “فى الذكرى”
اليوم يوم الاحد
ينتابنى الخوف من وجوه زملائى الحجرية المزدحمة
ومن برجى الزجاجى الذى تسكنه الوان الصراع
والاسلاف القلقين
أرى الاسطح والتلال ملفوفة بالضباب ،بالسلام
يا لأحلامى صارت هباء كلها ،كل احلامى
فالدم يسفح بالمجان فى الشوارع ويختلط بدم المسالخ .

أخبـــار ذات صلـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق