الرئيسية / ثقافة وفنون / فصل من رواية “ليل” للروائي اللبناني جورج يرق

فصل من رواية “ليل” للروائي اللبناني جورج يرق

صدرت رواية “ليل” للكاتب اللبناني جورج يرق في طبعة ثانية ( منقحة) عن “منشورات ضفاف”، بعد ثلاث سنوات على صدور الطبعة الاولى عن دار “مختارات”. يذكر ان رواية يرق الثانية “حارس الموتى” وصلت الى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” 2016. وستصدر في طبعة رابعة في غضون اسبوعين.

في ما يلي، فصل من رواية “ليل”:

لم يكد يمضي يومان على خروجي من الدير حتى ذهبت إلى سوبر نايت اسمه “مايسترو”، أوّل طلعة يسوع الملك، إلى اليسار، صعودًا إلى عجلتون وفاريا. لفتني اسمه المكتوب فوق مدخله على لافتة تزيّنها رسوم كاريكاتورية تمثّل فتيات في أوضاع مختلفة. أذكر أّني رأيت سربًا من الشابّات داخلاً إليه عندما كنت أنا والأخ أندراوس ذاهبين ذات يوم إلى الجامعة. بقي في بالي مشهد نزولهن من “الفان” الأسود بقاماتهن الطويلة وسيقانهن الجميلة. وقد استحضرته مرارًا في خيالي لإراحة نفسي وإسكات الرغبة الملحّة. 

“الروسيّات عندنا باب أوّل” قال لي بشارة الزايك، الشابّ الأكتع الذي يحرس المدخل.

ما من أحد يعرف أحدًا في هذا المكان. إذا التقى جارٌ جارّا له تجاهله كأنّه لم يره، خصوصًا إذا كان الاثنان متزوّجين، أو أحدهما متزوّجًا والثاني لا. وقد يتعانقان ويجلسان إلى الطاولة نفسها إذا كانا عازبين. بعد العرض الراقص الذي يبدأ قرابة منتصف الليل، تختلط عطور الفتيات بروائح الأنفاس ودخان السجائر وتعب الأبدان، فتنتشر رائحة غير اعتيادية.ليست كريهة لكنّها غريبة. رائحة تلتصق بك، بثيابك، تحملها أنّى ذهبت. فتعتادها ثم تدمنها. 

هذا ما حدث لي. 

علقتُ بالمكان عندما علقت رائحته بي. وصرت أذهب إليه كلّ ليلة تقريبًا. 

لم يكن باستطاعتي أن أجالس فتاة وأفتح لها “بيكولو”( قنينة شمبانيا من الحجم المتوسّط) بثلاثين دولارًا أو قنينة ويسكي بثمانين إلّا مرّة في الشهر أو مرّتين. 

كان يُعوزني المال. 

المئتا دولار اللتان وضعهما خالي في جيبي وهو يودّعني، والمئة التي تركها الأخ أندراوس داخل الكتاب المقدّس، صرفتها كلّها في أربع وعشرين ساعة. قنينة الويسكي دفعت ثمنها ولم تنزل إلى الطاولة. هذا هو العُرف. إنّه بدل مجالستي أنوشكا على مدى تسعين دقيقة، وكأسٌ لي بالمجان. وفي ظهيرة اليوم التالي مررتُ بالفندق حيث تقيم، وصحبتها من هناك بالتاكسي إلى فندق رخيص. اكتفتْ بخمسة وسبعين دولارًا لأنّي عاملتها بلطف واحترام، وكي تكسبني زبونًا دائمًا.

كنتُ أستدين لأصرف.

كان يحلو لي الجلوس إلى البار، وشرب كأس بعشرة دولارات. أحضر العرض الراقص الذي يدوم أربعين دقيقة، وأغادر في الثالثة فجرًا. 

أُغرمتُ بالروسية تاتيانا وهي أُغرمت بطوني الحاج، صاحب محل ألبسة في حرش تابت. كان اللعين يحجزها كل ليلة، وإن كان غائبًا، ويدفع ثمانين دولارًا عن كل ساعة ونصف الساعة. فدوامها، ودوام زميلاتها، من الساعة العاشرة مساءً إلى الخامسة فجرًا. كان ينفق مبلغًا سخيًّا كي لا يشاركه أحد فيها. عدا الهدايا من ثياب ومجوهرات وأشياء أخرى. فإذا لم يكن موجودًا فلن تضطر إلى مجالسة بضعة أشخاص، واحد كلّ تسعين دقيقة، وتحمُّلِ ثقل دم هذا الزبون، ودجل ذاك، وغباوة ذلك، مثلما تفعل زميلاتها اللواتي كنّ يحسدنها وتتمنّى كلّمنهن لو كانت هي مكانها. 

نظرة واحدة من تاتانيا لدى مرورها قرب البار، كانت كافية لأرجع إلى الفواييه سعيدًا. 

بمرور الليالي، باتت ترمي عليّ التحيّة مصحوبة بابتسامة تشعرني دومًا بأنّها لا تبتسم هكذا إلّا لي.

وددتُ لو تجالسني مرّة واحدة لا غير، ولتطلبْ ما تشاء. 

حزنتُ عندما أتيت ذات ليلة، ولم أرها على الحلبة خلال تقديم اللوحات الراقصة. وهي نجمة معظمها. 

شربتُ الكأس الأولى، ولم ألمحها. 

انتهيت من الكأس الثانية ولم تطلّ.

بعد الكأس الخامسة، قطعتُ المال. ما أتعس الليل عندما لا تكون تاتانيا قمره.

بحركة من يدي، سألتُ عنها صديقتها ليديا التي كانت تجلس والأخريات في الزاوية القريبة من البار، في انتظار أن يطلبها أحدهم. ردّت بالإشارة، مسكتْ بنصرها، وهو الإصبع التي يوضع فيها خاتم الزواج، وكوّرت شفتيها لدى لفظها اسم العريس. ففهمت أنّ تاتيانا تزوّجت. 

طلّق طوني الحاج زوجته وتزوّجها. يا له من رجل محظوظ. قالوا إنّه دفع كثيرًا وبرطل حتى حصل عليها قبل انتهاء مدّة عقدها. المال صيّاد النساء ومحقق الأمنيات وناقل الجبال. 

لو كنت أملك ربع ما يملك طوني الحاج لنمتُ مع نصف نساء الكرة الأرضيّة. 

ليتني استفدتُ من مغانم الحرب على غرار بعض الرفاق الذين أصبحوا رجال أعمال وأصحاب ثروات. 

اللعنة على القضية التي دافعت عنها، ولم أفطن إلى أنّ غيري باسمها سرق ونهب وجمع المال. 

منذ زواج تاتيانا أقلعتُ عن الذهاب إلى الـ”مايسترو” مع أن رائحة لياليه ظلّت مقيمة فيّ تمامًا مثلما بقيت ابتسامة نجمته الروسيّة تذكّرني بأن الحياة جميلة، وتستحقّ أن تُعاش. 

انتقلت إلى سوبر نايت “كوبرا” بالمعاملتين في جونيه. مثله مثل الـ مايسترو”. الأسعار نفسها، الرائحة نفسها، الفتيات من التابعيّات نفسها. حتى العرض الراقص هو تقريبًا نفسه، كأنّ كلّهن تعلّمن الرقص في معهد واحد. الأوكرانية أغوسطينا هنا نجمة المكان مثلما كانت الروسيّة تاتيانا النجمة هناك. للإنصاف، أظلم الثانية إذا قارنتها بالأولى. هذا ليس تحيّزًا لها بل هو أيضًا رأي آخرين يتنقّلون بين المكانين، ويعرفون الاثنتين. الجامع المشترك بينهما هو عينه: المجالسة الحصريّة. طوني الحاج حجز تاتيانا منذ الليلة الثانية بعد وصولها إلى لبنان، وتحديدًا منذ أن رآها ترقص منفردة على حلبة الـ”مايسترو”. وفرنسيس كرم، المرابي المعروف في “كازينو لبنان” حجز أغوسطينا قبل وصولها إلى لبنان. رأى صورتها في الألبوم، وطلب إلى الـ”امبرازايرو” حجزها.

الفرق بين طوني وفرنسيس أن الأوّل متزوّج، أو كان متزوّجًا حين التقى الروسيّة الجذّابة، مسالم يحبّه الجميع، كريم، يده في جيبه دومًا. لم أسمع أنّه قلّل من احترامه لأحد أو خاصم زبونًا من أجل تاتيانا. 

أمّا الثاني فأعزب، في الستين من العمر، لكنّه يبدو في الخامسة والأربعين. عدائي بلا سبب وجيه، يشتري الخلاف. يغار على صديقته غيرة شديدة حتى إنّه كلّف نادلًا مراقبتها والاتّصال به متى لاحظ شيئًا مريبًا يجري، كأنْ تبتسم لأحدهم، أو ينظر إليها زبون جديد لا يعرف أنّها “محجوزة”، ويختارها للجلوس إلى طاولته. فإذا حصل ذلك، فلن تمرّ الليلة على خير. وكثيرًا ما شوهد فرنسيس آتيًا في غير موعده المألوف، أي الرابعة فجرًا، يجلس معها قليلًا ثم يعود إلى الكازينو، إن كان الزبون دونه عزًّا وثراءً. ويطيل الجلوس حين يشعر أنّ الزبون يفوقه وسامةً وأصغر منه عمرًا. 

كان فرنسيس يشدّ ظهره بخاله، جوزف عنتوري الذي كلمته مسموعة لدى الجنرال. ولطالما حلف بحياة الجنرال إذا أراد أن يثبت للآخرين أنّه لا يكذب. والجنرال الذي يقصده فرنسيس هو ميشال عون. حتى أغوسطينا باتت تحلف بالجنرال وتشتم سمير جعجع لتثبت أنّها تحبّ فرنسيس وتحبّ الذين يحبّهم.

من حسن الحظّ أنّي أغادر السوبر نايت قبل مجيء فرنسيس، وأنّ أغوسطينا لا تبتسم لي مثلما كانت تفعل تاتيانا. فأنا بعد إقامتي في الدير، اعتدت الوداعة. وأصبحت كارهًا للمشاحنات. الأيام والتجارب والكتب صنعت مني شخصًا مختلفًا عن ذاك الذي كنته في الحرب. كلّما زرتُ الضيعة في الأعياد وفي بعض المناسبات العائلية، كرّرت أمّي أنّها تراني إنسانًا جديدًا، وأنّها سعيدة لأنّ الربّ هداني بعد طول ضياع، وأنّ أبي لو لم يرحل لكان فرح بي.

لا أعرف لماذا وأنا أشرب وأنظر إلى الأجساد الراقصة على الحلبة، أفكّر في شخصين: أبي والأخ أندراوس. يمرّان لحظات ويغيبان ثم يعودان. لو كان أبي حيًّا لدعوته إلى كأس في هذا الملهى. كان, رحمه الله, يحبّ النساء ويستهويه هذا النوع من السهر. لم يَقُل لي هو ذلك. أمّي كانت تقول إنّه يضيع عندما يحادث امرأة جميلة. وأصدقاؤه يشهدون بأنّه كان زير نسوان. الشظيّة التي اخترقت ظهره وأقعدته، جعلته ضعيفًا يتكل على أمّي وشقيقتيَّ في كلّ شيء، حتى لدى قضاء حاجته. تمنّى أن يأخذه الله حالما أخبره الطبيب جان شلالا أن لا أمل في الشفاء، وأن أقصى ما قدر عليه فعله. مرّة، وكانت الحرب في عزّها، طلب مني أن أترك المسدس في البيت، لمّا كثُرت السرقات ومحاولات الاعتداء على المنازل. قال إنه يحتاج إليه كي يدافع عن نفسه وعن أمّي وأختيّ. لم أعطِه المسدس. قرأتُ في عينيه اليأس والقرف من الحياة، خفتُ أن ينتحر به. فلا تنقصه الشجاعة لوضع حدّ لحياته بعدما أضحت عبئًا عليه وعلينا. أعرفه مثلما أعرف نفسي.

ماذا سيكون موقف الأخ أندراوس إذا عَلِم أنّي أمضي معظم لياليّ في هذا الجوّ؟ لن يقنعه جوابي الذي يعرفه جيّدًا منذ أيّام الدير: “أخاف من الليل. وأهرب من النوم حتى لا أرى أحلامًا بشعة”. كان يقول لي: “صلّ تتغيّر أحلامك”. كنت أصلّي وأقرأ في الكتاب المقدّس، وأغفو. ثم أبصر منامًا مزعجًا فأنهض مذعورًا، وأبقى مستيقظًا حتّى الصباح. 

انتهت الحرب لكنّ ذكرياتها لا تزال في لاوعيي. 

تُرى ماذا سيكون ردّ فعل الأخ أندراوس إذا شاهد هؤلاء الصبايا يتمايلن شبه عاريات على المسرح الصغير؟ هل يندم على خياره أن يصير راهبًا؟وما شعوره حين يرى أفخاذهن البيض تحت الطاولات, وهن مسترخيات تعبات يشربن ويدخّن منتظرات دعوة إلى كأس ومجالسة؟ هل يخلع ثوبه ويتحسّر على السنوات التي أمضاها في الدير، ويتردّد إلى هذا المكان ويُغرم بروسيّة أو بمغربيّة؟ هذا الموقف أيقظ في ذاكرتي حكاية الراهب بافنوس بطل رواية “تاييس” لأناتول فرانس. بافنوس الذي شجّع الراقصة المغوية تاييس على اعتزال حياة الخطيئة، اكتشف أنّه مغرم بها. وحين علم بدنو ساعة موتها كفر بالإله الواحد وشتمه لأنّه سيحرمه المرأة ألتي أحبّها. 

طردت هذه الأفكار. من كان مثل الأخ أندراوس يستحيل أن يذعن للتجربة. الشيطان الذي لا يجرّب إلاّ الأتقياء والسائرين على طريق الفضيلة، جرّبه غير مرّة، وأخفق في جرّه إلى الخطيئة وإبعاده عن معلّمه المصلوب. ومعروفة حكايته مع سيّدة لجأت وزوجها وأولادها الثلاثة إلى الدير بعدما دُمّر بيتهم في عين الرمّانة.

كان في مرحلة الابتداء، وهي المرحلة التي تسبق نذره العفّة والطاعة والفقر تمهيدًا لتكريسه راهبًا. وكانت تلك المرأة تكبره بعشر سنين. أُعجبت به وشاءت استمالته إليها بالكلام أولًا. ثم بالحركات المثيرة. ولم يلبِّ دعوتها إلى ملاقاتها ليلاً في عتمة البستان. ورفض أن يقبّلها عندما عانقته في الممرّ المفضي إلى الكنيسة، وصودف أن ألتقته هناك وحده، وكان الوقت مساءً والمكان خاليًا. كررت المحاولة. وكرّر هو الرفض. فقرّرت أن تنتقم. توعّدته: “سأقطع رقبتي إذا أبقيتك في الدير”. مزّقت فتحة قميصها حتى بان جانبٌ من صدرها، وبأظفارها جرحت أسفل عنقها، وملأت بصراخها الدير. هُرع الرهبان فهالهم ما سمعوا: “كان يريد اغتصابي، سامحه الله”. ردًدت هذه الكلمات وهي تصرخ وتستر نفسها، تبكي وتنظر إلى أندراوس الذي جَمَد مكانه غير مصدّق ما يجري. 

الجميع صدّقوها وتعاطفوا معها.

وهو لم يفتح فمه بكلمة. حنى رأسه ومشى. لم يلحق به أحد. شعر كأنّه منبوذ. ذهب إلى البستان. وراح يصلّي ويتضرّع إلى الله كي ينقذه من هذه المهزلة، ويهدي المرأة إلى الطريق القويم. 

فيما هو غارق في ذاته، سمع صوتًا يعرفه جيّدًا. إنّه صوت الأبونا الرّيس الذي جاء ليقف منه على الحقيقة. حكى أندراوس. كان الصدق ينهمر من عينيه قبل الدموع. لم يحلف بالعذراء مريم، ولا بابنها. روى أنّ مدام ليلى تودّدت إليه وتحرّشت به مرارًا، لكنه قاوم الشيطان فيها وغلبه. ثم كانت المحاولة الأخيرة في المساء. فلم يخضع للتجربة. وحدث ما حدث. ربَتَ الأبونا الريّس كتفه، وأمره بالذهاب إلى غرفته. “الصباح رباح” قال ورحل. نهض أندراوس وسار وراءه. في الصباح، لم يستدعِه. فقد صدّق روايته. 

بعد أيام قليلة، طلعت صرخة المرأة مجدّدًا. زعمت أنّ أحد الرهبان لحق بها وهي في الطريق إلى الكابلّا، وأراد أن يأخذها بالقوّة. هذه المرّة، لم يحالفها الحظّ. كان هنالك شاهدان رأيا مدى حقارتها وكذّبا ادّعاءها. 

أندراوس مشروع طوباويّ إلاّ إذا نجح إبليس في إغوائه. 

أنا لستُ مثله. ولن أصير. 

صحيح أنّي أجد شيئًا من الصفاء الداخلي حين أصلّي وأتأمّل. 

وصحيح أيضًا أنّ ثمة متعة من نوع آخر حين تغفو امرأة مشتهاة بين ذراعيَّ. 

إذا كان الليل مملكة المُتع، فالنساء أميراتها. والذين هم أمثالي لا يحقّ لهم المرور قرب أسوارها. لكنّي أتسلّل إلى بلاطها هاربًا من النوم ومناماته المقيتة إلى الـ”كوبرا” حيث الوقت يمرّ سريعًا بين الفتيات المتكئات إلى طاولة البار والمتغاويات على حلبة الرقص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *