رائحة الماضي ................... للشاعرة/ هبة الخليلي

تم النشر فى مع 0 تعليق اضيف بتاريخ : 08/11/2017 الساعة : 11:45:21

" رائحة الماضي "

اممم يا إلهي: ها أنا أشعُرُ بالمللِ مُجدّدًا، تبًا عَليَّ الخروجُ لأمضي وقتًا مُمتِعًا حتى لو كنتُ لِوحدي ؛ إتّجهتُ إلى الخزانةِ المليئة بالقِصصِ والأحداث والذكرياتِ، الجميلةِ مِنها والمُرّة.

البردَ قارصٌ في الخارِج ؛ هل عليَّ أن أرتَدي سُترة الصمتِ أم قبّعة الثّرثرة؟! 
وجدّتُها سأرتدي مِعطَف الحب ؛ فالشِّتاء سمائي والماءُ شارعي.

ولكن أيُّ لونٍ لِشفاهِ سأختار؟! أعتَقِد اللونُ الأحمر ؛ لِأبقى صامتة وشفاهِ تتحدّث.

حسنًا لَم يَبق سِوى القليلُ مِن اللّمسات، البعضُ مِن رائِحةَ الوَرد هُنا وسأكونُ غجريّةَ هذه الليلة.

أتمشّى في شارِع الألم ومِن ثُمَّ إلى المقهى المفضّل لدي، عيوني تترقّبُ المارّة، عجوزٌ تَحمِل أثقال همومها على كَتفها وهي تَمشي متهاوية، وتجاعيدُ وجهها تروي القصص وخاصةً في تِلكـَ الليلة التي تحمِل رائحةَ الكَعكـ، و نصوصٌ من الروايات، هل سأصير مِثلَها بيوم من الأيام؟!

ماذا عن ذاكـ الرجلُ هناكـ! إنّه يُلاعب طفلَهُ وزوجَتُه تنظُر إليه بإنفطار القلب، ماذا لو لم يَكُن يُحبُها كما تُحبّه؟ هل مِن العدل أن تَعيشَ وحيدةً بجانبه وهو يغازِل كُلّ فتاةٍ تَقَع تَحتَ ناظريه؟! لا بدّ وأنها تَحيكـُ دموعها حتى يرتدي هذا الزوج المغفل أجملَ الثياب، ولكن إلى متى؟ !

أه نعم، هاقد وصلتُ مقهى العتيق، إنه إسمٌ على مسمى كما يقولون.

جلَستُ وَحدي، فجائني النادل وابتسمَ وقال: الطلبُ المُعتاد عزيزتي أليس كذلكـ؟! 
تبسمت وقلت: لا أظن أن فلسطين ستُغيرُ اسمها يومًا أليس كذلكـ؟ 
أنت فَطِنة قالها.
شكراً لكـ أيها البائسُ مِن الدّاخل والضّاحكـُ مِن الخارج، شيشية تفاحتين و عصير الليمون مع النّعنع لو سمَحت.

اممم على سيرةِ النّعنع، ما تلكـ الأغنية التي أسمع؟ " هاد النعنع نعنعنا " تبًا لَستُ كبيرة بِما يكفي لأنتقِد هذا الجيل.

الأغنية التالية - أوه نعم تلكـ هي الأغنية الصحيحة التي تَلقي المسامع لها بال " أغدًا ألقاكـ " لأم كلثوم العظيمة.

ما لَبِثتُ القليل حتى شَعَرتُ بالملل، لا ليس مرةً أخرى، يا لي مِن مزاجية، سأذهبُ إلى منزلي لأُسرِّح شعري وأروي بعض النزاريات لعَينَي.
ََِ
هَمَمتُ بالرّحيل ؛ توقّف الزّمن، تلعثَمت قدماي وقلبِ تقطّع إلى جزيئاتٍ مِن القِطَع الصغيرة، إنقلَبَ عالمي رأسًا على عَقب ؛ وأذْرِفت دموعي مِن تلقاء نفسها، كَشلالٍ مُنهَمِر يَعثُ بالضجيج، كفنانٍ يرسمُ قُنبلة بلوحةٍ خَبيثة قَتلته على حينِ غرة.

ملكُ الموت أم ملاكـُ رحمة! لما الآن؟ لما؟ 
عيناكـَ كُرتا لَهيب اشتعلَت بِمحرابَ قلبِي ثائرةً، تَصرُخُ لما؟

فنَطقْ وأطلقَ لِسانه حروفًا بدون إذن، " كيف حالك؟! " 
فردَّدتُ قَولي كإنجيلٍ مُرتّل داخِل كنيسةٍ تَحترقُ مِن راهبٍ يُدندن أغنيةَ فيروز " كيفك إنت " بَينَ عيونِ القُدس بِكلِ شراسة.

أنا؟ وياليتني لم أكُـ أنا قط، إشتقتُ إليكـ، واشتقتُ لِروحِكـ، أرجوكـَ عُد ؛ أعدكـ لن أكونَ شقيةً مرةً أخرى ؛ لن أُقبّل وجهكـ بكل تفاصيله صباحًا ومساء؛ سأكونُ مُهذبة، عُد ؛ ما زالَت حروفُكَـ تنبض بقلبيَّ اللّعين، كسجّان حَكم على قلبي أبدا، داخل بركان يَفيضُ كدَمع زوجةَ شهيد فيَحرق كُلّ ما يراه.

أنا لستُ بِخيرٍ دونكـ ؛ لم أنسَ حَبكات تفاصيل حياتنا بعد.

إقتربتُ مِنه صارِخةً كفى كفى بالله عليك، ودموعي مَلَئَت ملابسي كَشِتاءٍ عاصِف، مَزّقتُ ملابِسه و جرّدتُهُ مِن قسوته، ضَربته على صَدرِه مرارًا وتِكرارًا، حتّى قطّعتُ أواصِل قلبَه، وذُرِفَ الدماء في كل زاوية مِن المقهى.

وفجأة استيقظتُ من سُباتي، وكم ودَدتُ كلُ ماحدث بِرأسي لو طبّقتهُ على أرض الواقع، ولكن كبريائي لن يَسمحَ لي بذلكـ.

وها هو يَنتَظر إجابتي على سؤاله " كيف حالك؟ " 
تَذَكرتُ كلمات أغنية كم أُحبُها " just walk away " للفاتنة Celine Dion
" so walk away and close the door And let my life be as it was before "

لم أجِد نَفسي إلا وأنا أعطيه ابتسامةً باردة جانبية، مُتَطأطأة الرأس، لَفَفتُ لَهُ ظهري ؛ مُتّجهةً إلى الباب، خارجةً بِكُل كِبرياء.

وصلتُ عريني ؛ خلعتُ حِكاياتي ؛ رميتُ روحي على سريرِ الواقع ؛ فقلتُ لنفسي أعتَقِد أني ارتديتُ قبّعة الثّرثرة بالخطأ ؛ حسنًا الأحمرُ على شفاهِ مشاكس ؛ والكُحلُ الغجريُّ تَمرُّدي ؛ اللعنة كم أنا جذابة.


561 مشاهدة