• ثقافة وفنون
  • سهير حلمي تكتب : أنيس منصور فى ذكراه الخامسة وفن المشى على الماء

سهير حلمي تكتب : أنيس منصور فى ذكراه الخامسة وفن المشى على الماء

تم النشر فى مع 0 تعليق اضيف بتاريخ : 11/11/2017 الساعة : 11:52:17

 


خمس سنوات مضت على غيابه وما زالت كتاباته الإنسانية .. المستقبلية النزعة حاضرة .. بعطره الخاص وأسلوبه الساحر المتنوع داخل المقال الواحد .. سئل المتنبى يوما عن البحترى فقال: «أنا وأبو تمام حكيمان .. والشاعر البحتري» ما أكثر نجوم الفكر والثقافة فى حياتنا ..

لكن أنيس منصور وحده كان شاعر المقال اليومى بلا منازع .. هو من أصحاب النماذج التى لا تبارى فى تنوعها وزخمها .. صاحب أسلوب من أذكى الأساليب العربية فى اختزاله وبساطته. وحسن تعليله وبراعة استنتاجه .. أنه ذلك الإحساس المرهف بقيمة الكلمة وموضعها من السياق والهيكل اللغوى الذى يسعها والحسى النقدى الذى يغلف موضوعاته .. يرفع الحواجز دوما بينه وبين قارئه ويسمح له بمشاركته طقس الكتابة والتسلل لغرفة مكتبه ومشاهدته وهو يتأهب فى الرابعة صباحا ليبدأ رحلته مع القراءة والكتابة بلا توقف لأكثر من ستين عاما.

.............................................................

هو من مدمنى الأسئلة وطرق أساليب غير تقليدية فى الكتابة .. قلما يستخدم فعل الأمر .. يميل لصيغة التصويب «ليس صحيحا» فى الكثير من كتاباته .. «الفن ليس أداة للجدل ولا ينبغى له أن يثبت شيئا أو ينفى شيئا إنما هو شيء كالسحر ينفذ إلى النفوس». صاحب فتوحات جريئة فى الفلك والفضاء وتبسيط العلوم والمعارف .. يرى أن رفع الوعى يمنحنا مزيدا من الطاقة والأمل .. يحدثك عن الخوارق والغيبيات وقصص الساسة والأدباء وحشد هائل من وقائع الحياة اليومية .. ولكن خيِط السرد لا ينفلت منه أبدا .. تمتاز مقالاته بالحوار المقتضب الذى يجمل المعنى بالرغم من أن مقاله كان لا يتجاوز 300 كلمة .. الاتزان اللونى فى كتاباته وتوزيع مناطق الضوء والظلال وإبراز التضاد والثنائيات من معالم أسلوبه الفريد .. فمن كلماته تعلمنا أن العظماء يعرفون متطلبات اللحظة الراهنة ويتطلعون إلى ما ورائها .. بلاغته كانت غريزية تشبه وصف ابن المقفع : «البلاغة هى التى إذا سمعها الجاهل ظن أنه يستطيع أن يكتب مثلها».

أخبرنى شاعرنا الكبير فاروق شوشة – رحمه الله - أثناء حوارى معه فى الأهرام منذ سنوات أن مجمع اللغة العربية قام بعمل دراسة وصفية بالاشتراك مع الجامعة الأمريكية وأساتذة وخبراء أوروبيين وأمريكيين لتوصيف العربية المعاصرة وجمعوا مقالات الصحف وأعمال الروائيين الكبار وتمت الاستعانة بالكمبيوتر لعمل ميزان يمثل اللغة العصرية وخلصت نتيجة الدراسة إلى أن أسلوب أنيس منصور يمثل اللغة العصرية، فى مصر .. لأنه سريع الإيقاع .. جمله قصيرة .. يستعين بالمفردة البسيطة التى لا يتوقف عندها القارئ لأنه يفهمها لكنها عميقة ومحملة بالمعانى والدلالات والثقافات.

وكانت شهادة اللغوى الكبير .. أكبر دليل على اتساع أفق كتاباته وجماهيريته لهذا السبب الوجيه من جملة اسباب أخرى .. كاتب امتاز بتنشئة قارئه الذى تعهده بالدهشة منذ صدر شبابه والقدرة على إدهاشه فى مرحلة النضج .. مدركا أن كلا منا يبحث عن يقين .. فكان اهتمامه بالتفاصيل التى تشبه نظام الذرات والكواكب فى تتابعها واتصالها .. محكمة ومتصلة بمنطق السؤال وحيثيات الجواب .. من ذكاء الخاطر وسماحة النفس والتواضع الذى كان أصيلا يستلهم جذوره من البيت الشعرى الشهير: «خفف الوطء فإن أديم الأرض من هذه الأجساد».


استطاع أنيس منصور أن يتعامل مع اللغة ككائن حى .. يرغم الواقع على إظهار نفسه لم يخش الاقتراب من فوهة البركان وكيفية تشكيل الرأى العام الهادر .. كثيرا ما كان يرد نفسه على الإدلاء برأيه فى قضايا قال فيها الزملاء كلمتهم وكانت مثار اهتمام الناس

كان يرى أن سبب حب الناس لكرة القدم يرجع لمتعة مشاهدة أناس لهم دور فى اللعبة .. دور مدروس – يلقى الأمل فى نفس المشاهدين ــ والإنسان حين لا يكون له دور تكون حركته مضطربة .. أهدافه غامضة يعانى من متاعب نفسية وعقلية وهو يكون بلا دور لأنه لا يفكر بوضوح – لأنه مرهق – لم يستغل طاقته العقلية .. فى كتاباته احتفاء بالحكمة ولحظات الصمت .. يعلم قارئه بالمثال والقصة التى لا تُنسى .. وكيف أن مجموعة من الناس سألت كونفوشيوس ذات يوم عن سبب قلق مجموعة من الأغنام دون غيرها ؟ فأجابهم : أن بينهم ذئب يتوارى !! قالوا له : لا يوجد ذئب أيها الحكيم وإلا أكلها جميعا ؟ قال : هناك ذئاب تأكل الأغنام وذئاب تتركها لذئاب أخرى .. سألوه : كيف ؟ قال : إن الراعى إذا كان كسولا أو كثير النوم جاءت الذئاب إلى الأغنام .. وهو (ذئب) لا يأكل الأغنام ولكنه يمهد الطريق للذئاب الأخرى .. فافهموا ..

ويستدركك أنيس منصور إلى أن كونفوشيوس أراد تحذيرهم من ذئاب أخرى كالقلق والخوف والمرض ..

كانت له روشتة خاصة ما زالت ناجعة فى كل العصور تدعو لفضيلة التأمل الصامت والعزلة التى تشبه «صلاة القلب» .. العزلة التى تخرج الإنسان من طاحونة الحياة اليومية. فالحياة بلا لحظة تأمل ليست حياة.

وصف طه حسين أسلوب أنيس منصور : «بأنه غير متكلف الفصحى ولا يتعمد العامية .. فهو لا يقصد أن يبهرك أو يغرب عليك فى لفظ أو معنى ولكنه يستجيب لطبيعته السمحة التى تكره التكلف والتحذلق والإسفاف .. والإحساس الذى يرافقك أثناء القراءة .. إنك مع الكاتب تشهد ما يشهد وتسمع ما يسمع وتجد ما يجد من أمل ولذة ومن سخ

ورضا .. تسافر معه وتقيم مع إنك لا تبرح مكانك .. وإنما هى براعة الكاتب وسماحته يستأثران بك كأنك ظل لا تفارقه».


كتب أنيس منصور القصة والمسرحية وأدب التراجم والسيرة الذاتية وكان أول صحفى يقوم بدورة كاملة حول العالم فى 228 يوما عام 1959 .. اقترب من السلطة وصناعة القرار السياسى .. لكنه كان مدركا أن الأدب السياسى أطول عمرا من الأحداث الجارية فكان رصده اللامع للأحداث الكبرى التى أشعلتها حوادث صغرى بدءا من حرب طروادة مرورا بالحرب العالمية الأولى .. صحح كثيرا من المفاهيم الراكدة .. فعلى سبيل المثال كان يرى أن عبارة الزعيم سعد زغلول نسبت إليه بخطأ فى المعنى والمناسبة .. فسعد باشا قالها وهو على فراش المرض وكان يقصد بها أنه لا فائدة من العلاج أو الشكوى أو التفاف الناس حوله .. لكنها نسبت شأن عبارات تاريخية كثيرة للأعلى صوتا .. للأكبر «للزعيم» .. فالتاريخ سمعه ثقيل وبصره كليل .. هكذا كان على الدوام قادرا على استخراج وتوليد المعانى مشفوعة بالحيثيات وعدم الجزم بشيء .. فلم يثنيه مهاجموه ومنتقدوه .. عن المضى فى الكتابة عن الأطباق الطائرة .. وكان متابعا لبلاغات المواطنين فى بريطانيا عنها .. ولديه اعتقاد بأن الكون يتسع لكائنات عاقلة جدا تلهو بأعصابنا وعقولنا من حين لآخر .. ولسنا وحدنا العقلاء كما يعتقد أغلبنا – كانت تجربة الموسيقار محمد عبد الوهاب وما تعلمه من أمير الشعراء أحمد شوقى نصب عينيه مستشهدا بعدم اهتمام كلا منهما لسهام النقد .. هاجم العقاد شوقى بضراوة وهاجم المنافسون لعبد الوهاب موسيقاه وألحانه واتهموه بسرقة بعض نغماتها من الموسيقى العالمية .. وكان راصدا أيضا لأسلوب السادات وهو ينتظر جثث خصومه كما لو كانت قادمة من أقرب ترعة ! بسخريته المعهودة فى الكتابة.


تنبأ أنيس منصور بإدمان الإنترنت لكنه لم يقر بانتهاء عصر الكتاب والورق .. فمعلومات الإنترنت متنوعة ومتشعبة ومرهقة - على حد تعبيره - ولكن من الصعب الإفلات من جاذبيته .. فالكتاب سيبقى فى مداره متعة شخصية لقارئه .. تنبأ بترشح هيلارى كلينتون فى انتخابات الرئاسة الأمريكية وبمشكلات المياه وحروبها منذ عشرين عاما .. وكان معجبا باللا منتمى لكولن ويلسون ومبدأ سارتر «فى الوجود والعدم» وضرب المثال كيف أن لهما نفس القوة .. لأنهما كالليل والنهار وكلمتى (نعم ولا) .. لا ينفصلان .. فعندما نقول لشيء لا فنحن نقول نعم فى نفس الوقت لأشياء أخرى .. ومن ثم فأى قرار هو اختيار لأشياء ورفض أشياء .. لا يمكن للإنسان أن يدرك كل شيء .. هكذا كانت (النسبية) تعلو معظم كتاباته.

لديه يقين أن أى مفكر لن يتسع عمره ليقول كل شيء .. وتقديره كان للعلم والتجربة كل فى فلكه ومساره الصحيح ..

كتب عن أحد الصوفيين وكان يمشى متأملا على شاطئ بحيرة هادئة .. حين سمع صوتا يقطع خلوته .. صوتا يغنى نشازا فركب زورقه وذهب إلى الرجل فقال له : أنت لا تجيد الغناء والنطق وقال له الرجل : علمنى يا مولانا ! .. فعلمه كيف ينطق .. وأثناء عودته إلى الشاطئ فوجئ بالرجل يمشى على سطح الماء ويطلب منه أن يعلمه مرة أخرى لأنه نسى الطريقة الصحيحة للنطق .. فأصابه الذهول وقال له : بل علمنى أنت يا مولانا وتاج رأسى وقرة عينى فى الحياة .. أنه ليس العلم وحده ولكنها التجربة والخبرة حين تعلو لمستوى العلم .. لا بد من الانحناء لها اجلالا للعلم ايا كان مصدره وعلى هدى هذه الأمثلة كانت دعوته لصفاء العقل وأن عظمة الإنسان تكمن فى اعتداله .. ذلك الكائن الغامض الذى تنبأ أنه سيعيش : أطول وأصح وسيقاوم المرض وانعدام الوزن فى المدن الفضائية الجديدة التى ستقام قبل نهاية القرن حول الأرض .. ولكنه سيظل يحلم بالنجاة بسفينة نوح وبمصلح عنده نظرية تنقذنا من أنفسنا على هذه الأرض .. ومهما كبر الإنسان واتسعت آلامه وزادت همومه فإن نظرة إلى زهرة وعينى طفلة قادرة على أن تعيده إلى صفائه ونقائه، لحظتان هما كل ما فى الإنسان من عظمة ! .. رحم الله فيلسوف البسطاء


825 مشاهدة