رؤي ومقالات

محمد عبد العاطي يكتب :ما الذي يعنيه قرار احتلال غزة بالكامل؟

بعد جلسة استمرت عشر ساعات وانتهت فجر اليوم، الجمعة، الثامن من أغسطس ٢٠٢٥، قرر مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر احتلال قطاع غزة بالكامل، على أن يبدأ أولا بطرد سكان مدينة غزة إلى الوسط واحتلالها، ثم مواصلة خطوات الاحتلال. وتقرر تسمية “الاحتلال” باسم “السيطرة” حتى يتخلص من الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي على “المحتل العسكري” فيما يتعلق بحماية المدنيين وتوفير احتياجاتهم الحياتية والامتناع عن تهجيرهم أو استيطان أرضهم.
وقال المجلس إن الهدف هو القضاء على حماس، ومحاصرة عناصرها في كل مكان بالقطاع حتى وسط مخيمات النازحين في محافظات الوسط.
وأشار الإعلام الإسرائيلي إلى أن النية حاليا تتجه إلى “تطهير” القطاع من حماس والفصائل المحاربة، ثم تسليمه بعد ذلك لقوات عربية لتديره مؤقتاً.
وقد اتخذ مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر هذا القرار بالتصويت عليه بندا بندا، وقد أقر عملية الاحتلال (السيطرة) رغم اعتراض رئيس الأركان الذي أخبر المجلس عن حالة الإرهاق التي عليها الجنود الاحتياط، وعن خشيته من استنزاف الجيش في غزة. لكن في نهاية الجلسة صدر القرار، وستبدأ الحشود العسكرية، التي التقطتها صور الأقمار الصناعية والمرابضة عند التخوم، في التوغل.
إلى هنا انتهى الشق الخبري في الموضوع، أما في التحليل، فإننا سنكون، خلال الأيام القادمة أمام مشهد ملامحه كالتالي:
إنسانيا:
نزوح قرابة مليون إنسان. أي نصف عدد السكان. من الشمال إلى الوسط والجنوب للمرة الثانية وربما الثالثة، لم نعد ندري، مع ما يعنيه النزوح من مآسي، سواء في عملية المشي في حد ذاتها لأناس جوعى، مرضى، حاملين بقايا خيام وملابس وبطاطين وأواني فارغة، ليصلوا حيث يتكدسون وسط نازحين قبلهم، لا يسعهم المكان، وتحيط بهم أكوام القاذورات، ولا يجد الجميع طعاما ولا ماءً نظيفاً ولا دواءً، ولا أمانا، ولا أي شئ من مقومات الحياة.
عسكريا:
احتلال مدينة غزة، قد يكون احتلالا دائما مشابها لما هو حاصل حاليا من احتلال مدينة رفح في الجنوب، والمتوقع أن يكون أيضا دائما، ليتم تأمين سكان المستوطنات في الشمال من جهة، والتحكم التام في الحدود الجنوبية من جهة ثانية.
يعني تمشيطا عسكريا مترا مترا بحثا عن الأنفاق وعن خلايا حماس وفصائل المقاومة الأخرى المختبئة تحت الأرض وبين الأنقاض. مع ما يعنيه ذلك من خطورة للجانبين، للجنود الإسرائيليين وللمقاومين الفلسطينيين على السواء. لكن، وبسبب كثرة عدد الجنود، وتسليحهم، والمدد الواصل إليهم باستمرار، سواء بالغذاء والعلاج والإجلاء والتكنولوجيا، فالمتوقع أن تكون الخسائر الأكبر في جانب حماس والفصائل، خاصة وأن طول أمد الحرب حتى دخولها العام الثاني قد أصاب حماس بالضعف، سواء بسبب الخسائر البشرية أو العسكرية، المتمثلة فيما كانت تمتلكه من صواريخ ومقذوفات ومتفجرات وقيادات مدربة خبيرة كانت تدير المعارك خلال الفترة الماضية.
سياسيا:
ستؤدي العملية إلى الضغط على حماس لتقديم مزيد من التنازلات في ملفي الأسرى ونزع السلاح والخروج من القطاع، كما تقرأ حماس نفسها هذه العملية والتي تسميها “توسيع العملية العسكرية الجارية”.
الخلاصة،
نحن أمام مشهد يراد له أن يكون المشهد الختامي لهذا الحدث المأساوي المستمر منذ عامين، فهل ستكون الخاتمة كما رغب فيها مجلس الوزراء الإسرائيلي: “تطهير” القطاع من حماس والفصائل الأخرى وتسليمه خاليا من السلاح والمقاومين إلى دول عربية لتديره. أم سيصاحب ذلك تهجيرٌ قسري إلى مصر والأردن، ليفرغ القطاع من ساكنيه، وتستثمر إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أرضه وموقعه وثرواته الغازية، ولا تفرطا فيه بعد الثمن الذي دفعاه في سبيل ذلك من أموال ودماء؟
هذا ما سنراه خلال الفترة المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى