المثقف العربي بين نعيق الخراب ورهان البياض…. بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

أتساءل، بمرارةٍ لا تخلو من قلقٍ وجوديّ، عن الدور الذي آل إليه المثقف العربي في زمنٍ تتكاثر فيه الهزائم، وتترسّخ فيه أشكال التهاوي والنكوص والارتكاس. أهو اليوم مجرّد غرابٍ أسود، لا يرى في المشهد إلا الخرائب والأطلال، فيتّخذ من النعيق مهنةً، ومن اجترار الفجيعة ذريعةً لتبرير العجز، أم أنّ عليه—بوصفه حاملًا للوعي ومسؤولًا عن المعنى—أن يُبصر البياض في عمق السواد، وأن يلتقط الوميض ولو كان مطمورًا تحت تلالٍ من الرماد؟
ليس المثقف شاهدَ جنازةٍ دائمة، ولا مؤرّخَ هزائمٍ فحسب. فدوره، في جوهره، لا يكتمل عند توصيف الكارثة، بل يبدأ من مساءلتها، وتفكيك شروطها، والبحث في إمكانات تجاوزها. غير أنّ كثيرًا من خطابنا الثقافي انزلق، في العقود الأخيرة، إلى نوعٍ من الرثاء المزمن، حيث تحوّلت المأساة إلى خطابٍ جاهز، والشكوى إلى هوية، والخراب إلى أفقٍ وحيدٍ للتفكير. وهنا يغدو المثقف أسيرَ لغته السوداء، يعيد إنتاج اليأس بدل أن يفضحه، ويكرّس العتمة بدل أن يجرؤ على خرقها.
إنّ استمرار هذه المتوالية الحمراء—حيث الدم سابقٌ على الحلم، والفقدُ أسبقُ من الرجاء—لا يحتاج إلى زرقاء يمامةٍ جديدة كي ترى مصائر الأجيال القادمة. فالطفل العربي، منذ أكثر من ثلاثة عقود، رضع الدمع مع الحليب، وتشرّب الخوف قبل أن يتعلّم الحروف. يسمع عبارة «السلام عليكم» آلاف المرّات، غير أنّه لم يذق طعم السلام يومًا، ولم يرَ منه سوى لفظٍ مُفرغٍ من معناه، يُردَّد في فضاءٍ يعجّ بالعنف، والتنافر، ونواحٍ تموزيٍّ وعشتاريٍّ لا ينقطع.
في هذا المشهد، تتكاثر الرموز السوداء: ملاءات الحداد، والخُمُر القاتمة، والرايات التي لا تحمل سوى لغة الإقصاء والموت. هنا تحديدًا تُختبَر مسؤولية المثقف: هل يكتفي بوصف هذا السواد وتكريسه بلغةٍ شاعريةٍ قاتمة، أم يسعى إلى تفكيك بنيته الرمزية والنفسية، كاشفًا كيف تحوّل الحداد إلى ثقافة، والخوف إلى نظام، والمقدّس إلى أداة قمع؟
المثقف العربي، إن أراد أن يستعيد معناه، مطالبٌ بأن يكون ضميرًا نقديًّا لا بوقًا للعتمة، وبوصلةً لا مرآةً مكسورة. أن يرى البياض لا بوصفه وهمًا رومانسيًّا، بل احتمالًا تاريخيًّا وأخلاقيًّا، يُنتزع انتزاعًا من قلب السواد. فالوميض لا يُرى إلا لمن يحدّق طويلًا في العتمة دون أن يستسلم لها، ويؤمن بأن الكلمة، وإن أُرهِقَت، ما زالت قادرةً على زعزعة الصمت.
إنّ أخطر ما قد يصيب الثقافة ليس القمع وحده، بل اعتياد القبح، والتصالح مع الخراب، وتحويل الهزيمة إلى قدرٍ نهائي. ومن هنا، فإنّ مهمة المثقف ليست أن ينعق فوق الأطلال، بل أن يزرع سؤالًا في شقوقها، وأن يراهن—بعنادٍ معرفيّ وأخلاقيّ—على إنسانٍ عربيٍّ لم يولد بعد، لكنه يستحقّ أن يرى النور خارج هذا السواد المتكاثر.