د.فيروز الولي تكتب :حضرموت… بين النفط والنفوذ: حين تتحول الجغرافيا إلى ميدان عضلات

يبدو أن حضرموت — تلك المحافظة التي كانت تُعرف بالبساطة والهدوء والطبائع المائلة للسلام — تحولت اليوم إلى مسرح مفتوح لعرض القوى.
مسرح لا تُباع فيه التذاكر، لأن الجمهور — كالعادة — هو من يدفع الثمن، وهو ذاته من يُرمى به لاحقًا خارج أبواب العرض.
ما يجري اليوم ليس “تحشيدًا قبليًّا فقط” ولا “مناورة سياسية فقط”، ولا هو “رغبة في الاستقلال” خالصة لوجه الجنوب… بل هو خليط يمني أصيل: وجبة سياسية كاملة بطعم النفط، مضاف إليها بهارات إقليمية حارّة، تُطهى على نار الاحتقان الاجتماعي.
أولًا: السياسة… حيث الجميع يفاوض والجميع يهدد
السياسة في حضرموت اليوم ليست مشروعًا وطنيًّا بقدر ما هي رقعة شطرنج يلعب عليها كلٌ من:
السلطة الرسمية، القبائل، الفصائل الجنوبية، النفوذ الإقليمي، والفاعلون الدوليون الذين يرون في حضرموت “بوابة طاقة” وليست “مجتمعًا”.
الجميع يرفع شعار “حقوق حضرموت”، لكن خلف الستار يدور صراع أبرد من الثلاجة وأسخن من النفط:
من يسيطر على القرار؟ من يتحكم بالميناء؟ من يمسك خط الغاز؟ ومن يحصد الولاء الشعبي؟
والشعب نفسه يشاهد اللعبة، متأكدًا أن “حقوق حضرموت” ستُذكر كثيرًا… وستُطبَّق قليلًا.
ثانيًا: الاقتصاد… حيث النفط يتحدث والناس تصمت
حضرموت ليست محافظة مهمشة فقط؛ بل محافظة مستغلة.
تملك ثروات تكفي لتكون دولة مستقلة بمرتبات مضاعفة، لكنها تعيش كأنها قرية تعتمد على الحوالات.
النفط والغاز هما “الحاضر الغائب”:
يُضخ، يُباع، يُنقل،
لكن أثره على المواطن الحضرمي يشبه أثر المطر على البحر… موجود لكنه لا يُرى.
ووسط احتقان اقتصادي خانق، يأتي أي صراع أو تحشيد ليزيد الطين نفطًا:
الجميع يتقاتل على ثروات لا يراها الناس أصلًا.
ثالثًا: الجانب العسكري… عضلات وبواريد ورسائل مشفّرة
التحشيدات في حضرموت لا تبدو معركة لتحرير الأرض بقدر ما تبدو مباراة كمال أجسام سياسية:
كل فصيل يريد إظهار أن كتفه أعرض، وأنه قادر على “تأمين حضرموت”…
هذا التأمين الذي ينتهي في الغالب إلى إرهاب المدنيين بدل حماية المصالح.
هل هناك نية لاجتياح؟
هل هناك نية للاستقلال؟
هل هي رسالة للرياض؟
للأبوظبي؟
لعدن؟
للرئاسي؟
للأمم المتحدة؟
أم مجرد “إحماء” لمرحلة ما قبل التفاوض؟
الجواب: نعم… لا… ربما… حسب المزاج الدولي.
رابعًا: البعد الدبلوماسي… اليمنيون في الوسط والعالم في الصف الأول
حضرموت اليوم ليست قضية يمنية فقط؛
إنها ورقة إقليمية على طاولة أكبر من حجم الصراع المحلي.
السعودية تنظر إلى حضرموت كعمق استراتيجي وحديقة خلفية،
والإمارات تراها شريان نفطي وميناءً واعدًا،
والقوى الدولية تراها…
“أكبر محافظة في اليمن + أغنى نفط = نحتاج أن نكون جزءًا من النقاش”.
ووسط كل ذلك يقف الحضرمي — المواطن — محاصرًا بين جغرافيا يريد الجميع الاستفادة منها… بينما هو يبحث فقط عن مرتبات وكرامة وأمان.
خامسًا: الاجتماع والثقافة… هوية تتمزق بين الانتماء والمصلحة
حضرموت مجتمع له شخصية خاصة:
نَفَس صوفي، وعقل تجاري، وتاريخ هجرة، وأدب رفيع، وطباع هادئة.
لكن ما يحدث اليوم يشبه محاولة “جرّ حضرموت” بالقوة إلى صراع ليس من طباعها.
تحويل المجتمع المسالم إلى وقود عسكري.
تحويل الهوية الحضرميّة إلى “ورقة ضغط”.
وهنا يبدأ الخطر الاجتماعي الحقيقي:
حين تتحول الهوية من مصدر سلام إلى مصدر تعبئة.
سادسًا: الدراما… حين يصبح الواقع أسوأ من السيناريوهات
الدراما الحقيقية ليست في التحشيد ولا في البيانات.
الدراما تكمن في:
أمّ تخاف أن ترى ابنها يُستدعى إلى معسكرات لا تدري من يقودها.
شاب حضرمي حائر: هل يدافع عن مدينته أم يتحول إلى وقود لصراع غيره؟
شيخ قبيلة يعرف أن ولاءه اليوم سيُحاسب عليه غدًا.
مسؤول يرفع شعار “السيادة” وهو لا يستطيع أن يقرر حتى موعد سفره.
حضرموت اليوم ليست قضية…
حضرموت جرح مفتوح.
رؤية للخروج من الاحتقان
لا تحتاج حضرموت إلى مزيد من السلاح…
تحتاج إلى عقد اجتماعي واقتصادي جديد يقوم على:
1) تثبيت هوية حضرموت داخل اليمن… لا خارجها
حضرموت ليست مشروع انفصال بقدر ما هي مشروع “تمثيل عادل”.
الحل ليس في الانفصال، بل في صياغة علاقة جديدة مع الدولة: لا استغلال، لا تهميش، لا وصاية.
2) تسليم الملف العسكري لقيادة حضرمية داخل الدولة
قوات موحدة، وغرفة عمليات واحدة، بقيادة حضرمية، تحت مظلة رسمية — لا مليشيات ولا أجنحة.
3) توزيع عادل للثروة
50٪ على الأقل من عائدات النفط يجب أن تبقى في حضرموت.
هذا ليس منّة… بل حق.
4) تنمية مباشرة… لا وعود
بنية تحتية، مياه، طريق، كهرباء…
لا يمكن لمحافظة تنتج النفط أن تضيء المدن المجاورة بينما تعيش هي في الظلام.
5) تحييد حضرموت عن الصراعات الإقليمية
الحضارم لا يريدون أن يكونوا وقودًا لنفوذ خارجي.
يجب تحييد المحافظة بقرار وطني ودعم إقليمي.
الخاتمة… حضرموت ليست للبيع
حضرموت اليوم تقف عند منعطف خطير:
إما أن تصبح نموذجًا للسلام والتنمية داخل اليمن،
أو تتحول إلى برميل بارود تُشعل فتيله الأطراف المتصارعة.
التحشيد العسكري قد يعطي انطباع القوة…
لكن القوة الحقيقية ليست في عدد البنادق،
بل في قدرة حضرموت على أن تقول للجميع:
“نحن لسنا غنيمة… نحن محافظة لها هوية وكرامة وقرار.”
وإذا لم يسمع الجميع هذه الرسالة…
فإن النار التي يُشعلها اللاعبون اليوم
قد تحرق أيديهم قبل أن تمسّ أرض حضرموت.