د.فيروزالولي تكتب:الهبات الخليجية: كرمٌ نفطي أم فاتورة مؤجلة؟!

في كل مرة تُعلن فيها دولة خليجية عن “دعم سخي للحكومة الشرعية اليمنية”، يبدأ الإعلام اليمني بالزغاريد، وتشتعل مواقع التواصل بعبارات الشكر والعرفان، وكأننا تلقينا ميراثًا من جدنا النفط، لا قرضًا من جارنا القلق.
ولكن دعونا نخلع العباءة الرسمية، ونلبس ثوب الفهم، ولو لمرةٍ في العمر.
أولًا: ما هي الهبة؟
الهبة -كما علّمتنا كتب الفقه- هي مالٌ يُعطى لك بدون مقابل، بدون شروط، وبدون أن يذكّرك المُعطي بها كل أسبوع في نشراته الإخبارية.
لكن عندنا، الهبة تأتي مع:
بيان صحفي من السفارة.
تقرير من قناة “العربية”.
ومقال افتتاحي في صحيفة “الشرعية اليوم” بعنوان: “شكراً يا خيمة الخليج!”
وبعد شهر؟ يُقال لك: “الهبة لازم تسددها… أو على الأقل تشكرنا مجددًا!”
ثانيًا: دعم ولا دعاية؟
الهبات الخليجية تشبه كثيرًا الهدايا التي يعطيها عمك في العيد بشرط أن تقول أمام الجميع: “عمّي كريم”.
وإذا نسيت، سيذكّرك في كل عزاء وفرح: “أنا من عطيتك العشرة آلاف في 2018… في رمضان… بعد التراويح… تتذكر؟”
كل شيء مدوّن، وحتى الدعاء لك ليس مجانًا.
ثالثًا: الشرعية، أم الشركة القابضة؟
الحكومة اليمنية الشرعية تبدو أحيانًا وكأنها شركة مساهمة: الخليج يمول، الشرعية توقّع، والشعب… يدفع.
دفعنا فقرًا، دفعنا غربة، دفعنا ضرائب بلا خدمات، وصرنا مثل العميل الدائم في مطعم فاخر: لا نأكل، لكن نحفظ قائمة الطعام عن ظهر قلب.
رابعًا: هل هي هبات فعلًا؟
دعونا نكون صادقين. بعض “الهبات” أقرب إلى “الديون الحسنة”، لكن مع فائدة سياسية.
يعني المال يُعطى، بشرط:
ألا تخرج عن الصف.
أن لا تنتقد “التحالف”.
وأن تبتسم دائمًا في الصور الجماعية.
حتى لو أنت مهجّر، وجائع، وأطفالك يدرسون تحت شجرة أكاسيا في خولان.
خامسًا: أين تذهب الفلوس؟
السؤال الخالد.
من 2015 إلى الآن، تلقّت الشرعية مليارات.
لا كهرباء.
لا مؤسسات.
لا رواتب ثابتة.
لا دولة أصلًا.
فقط حكومة “منفى” وفنادق بخمس نجوم، ووزير يقول في تويتر: “نحن نواجه مؤامرة داخلية وخارجية!”، بينما حسابه البنكي يواجه تضخمًا مستقرًا.
سادسًا: كوميديا الهبات!
الهبات الخليجية تشبه عرضًا ترويجيًا في محل أدوات منزلية:
“اشترِ صمتًا سياسيًا، واحصل على دعم مشروط مجاني!”
وعند الدفع: “آسف، العرض لا يشمل السيادة الوطنية.”
الخلاصة:
الهبات الخليجية للشرعية هي مثل “الزواج عن حب” في مسلسلات رمضان:
تبدو رومانسية في البداية، وتنتهي بالمحكمة، مع حضانة دولية.
ملاحظة ختامية:
إذا كانت هذه الهبات فعلًا حبًا في اليمن، فحبًّا بالله، أحبونا أقل شوية. لأن هذا الحب صار مؤلمًا، مكلفًا، ومليئًا بالفوائد غير المعلنة.