كتاب وشعراء

رمادُ المنتصف …بقلم ولاء شهاب

أنظرُ إلى نفسي بشيءٍ من الشفقة،
حين أجدها تقفُ في المنتصف بين عقلي وقلبي…
حائرةً بين عقلٍ مصقولٍ من فولاذ،
وقلبٍ ضعيفٍ هشٍّ بنته العصافيرُ من القشّ.

كيف يستويان في جسدٍ واحد؟
فكلاهما نقيضُ الآخر…
وما ذنبُ تلك الروحِ المعذَّبة بينهما؟
ما ذنبُها أن تتمزّقَ بين رجاحةِ ذاك العقل وصلابتِه،
وبين جموحِ هذا القلب وعنفوانِه؟

ماذا عليها أن تفعل في هذا المشهد العبثيّ،
وكلاهما يريد أن يفرضَ نفسَه على الآخر؟

العقلُ يقول إنَّه على حقٍّ، وصوتُه لا يعلو عليه صوت،
فهو الحارسُ الأمينُ على ذلك القلبِ المسكين،
الذي كثيرًا ما يضلُّ طريقَه، ويتوهُ في دروبِ الوهم،
تجرفُه مشاعرُه إلى الهاوية، وتُلقي به في نهايةٍ مؤلمةٍ لا خلاصَ منها…

أمّا القلبُ، فيثورُ بكلِّ ما فيه من جموحٍ وعنفوان،
يرفضُ القيودَ والمنطقَ والحسابات،
يندفعُ نحو ما يحبُّ كطفلٍ بريءٍ لا يرى في العالمِ سوى النقاء،
يؤمنُ أنَّ للحياةِ نكهةً لا تُدركُ إلا بالعاطفة،
وأنَّ الشعورَ أصدقُ من ألفِ برهانٍ عقليٍّ متّزن.

ثم يصرخُ في وجهِ العقلِ قائلًا:

“دعني أعيشُ، ولو وجعًا!
دعني أذوبْ كي أتعلم!”

حينها يعلو صوتٌ خافتٌ يئنُّ ويتألم، ويقول:

“رِفقًا بي يا جُذوري،
فإني أتمزقُ بينكم في صمتٍ،
وأنتم لا تشعرون…
أنا الرُّوحُ المتعبة، الحائرةُ بين عقلٍ صارمٍ،
وقلبٍ حالمٍ بوهمِ النعيم.”

فكلاكما على حقٍّ،
وأنا بينكما في وضعِ المهزوم…

فإن انحزتُ لك يا عقلي،
سأعيشُ بلا شعورٍ قد يُؤنسني،
ولا رائحةِ مسكٍ تفوحُ فتُغمرني …

وإن انجرفتُ نحوك يا قلبي،
قد تأخذني إلى ذلٍّ وانكسار،
وطعنةِ غدرٍ تُدميني وتُميتني ببطء…

هنا نطقَ كلاهما بصوتٍ واحدٍ،
وبنبرةٍ حنونةٍ رَقْرَقَتِ الدموعَ في عيونِ الروح:

“أنتِ الأحقُّ بالاختيار،
فأنتِ أجملُ وأصدقُ ما فينا.”

وهكذا أكونُ أنا…
عالقةً في منتصف كلِّ الأشياء،
أقفُ في المنطقة الرمادية المميتة،
حيث تتآكلُ الأرواحُ الممزقةُ بين المنطقِ والإحساس…

وفي النهاية،
لا أجدُ نفسي خاسرةً ولا منتصرة،
بل إنسانةً تعلّمتْ كيف تُصغي لذاتها..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى