رؤي ومقالات

مصطفي السعيد يكتب :2026 العام الأخطر على العالم

يبدأ العام الجديد بفاتورة ثقيلة للغاية على الولايات المتحدة، تطالب بسداد 11 ترليون دولار، منها 3 ترليونات و300 مليار يناير الحالي فقط، وهو من أكبر التحديات التي تواجهها إدارة ترامب، خاصة في ظل عجز في الموازنة يقترب من ترليوني دولار، يمثل نحو 6,5% من الناتج المحلي الإجمالي، ونمو ضعيف للغاية يقل عن 2%. ولأن أمريكا لا يمكن أن تقبل بالتوقف عن السداد، بما يؤدي لإعلان الإفلاس، فإنها مضطرة لتطرح سندات بالمبالغ ترليونية، لكن هذا الحل ليس سهلا في ظل الشكوك المتزايدة في أن تتمكن من سداد ديونها التي تقترب من حاجز 40 ترليون دولار في مطلع العام الجديد، وأكبر دولتين مشتريتين للسندات الأمريكية هما اليابان والصين، وتعاني اليابان من أزمة مديونية أضخم، ومضطرة إلى سحب جزء من ودائعها، بينما الصين في حرب إقتصادية مع الولايات المتحدة، وسحبت نحو 500 مليار دولار من ودائعها في السندات الأمريكية، ومن المستبعد أن تشتري سندات جديدة في ظل الصراع الدائر، إلا إذا قدمت الإدارة الأمريكية تنازلات صعبة للصين، لأنها الدولة الوحيدة القادرة على شراء سندات بقيمة كبيرة، والتي حققت فائضا تجاريا هو الأعلى في التاريخ، وتجاوز ترليون دولار في 11 شهرا، رغم فرض إدارة ترامب رسوما جمركية كبيرة على الواردات من الصين.
أوروبا تعاني أيضا أوضاعا إقتصادية صعبة، فالديون تثقل كاهل فرنسا وبريطانيا مع نمو ضعيف، وامتدت الأزمة إلى ألمانيا، التي تواجه أكبر موجة إفلاس ونزوح للشركات.
لماذا التركيز على أزمات الولايات المتحدة وأوروبا الإقتصادية؟
لأن الأزمات الإقتصادية الحادة تدفع دائما نحو مغامرات عسكرية، فالبحرية الأمريكية تفرض حصارا على فنزويلا، وتلوح بغزوها، مما يحول منطقة الكاريبي وأمريكا الجنوبية إلى ساحة حرب جديدة، تضاف إلى الحرب الأوكرانية التي ستدخل عامها الرابع في ظل أحد إحتمالين، إما بالتوصل إلى حل سياسي يرضي روسيا، أو توسع الحرب لتشمل أوروبا التي تدق طبول الحرب بقوة، وتطلق حملات تهيئة لخوض غمار حرب ستكون لها عواقب مروعة، فالقوات الروسية تواصل التقدم، ووصلت إلى آخر معاقل القوات الأوكرانية في إقليم الدونباس، وتوسع سيطرتها في جبهات زاباروجيا ودنيبرو وخاركيف وسومي، وظهرت أعراض انفراط حلف الناتو، واتساع الهوة بين الولايات المتحدة أوروبا، وكذلك تعاني أوروبا من انقسامات سياسية فيما بينها وداخلها.
أما في منطقتنا فمازال شبح تجدد الحروب يحوم بشكل مخيف، ويمكن أن تتجدد الحرب بين إسرائيل وإيران في أية لحظة، مع استمرار القوات الإسرائيلية في إنتهاك الإتفاقين في غزة ولبنان، والتقارير عن استعدادات مكثفة من لكل من إيران وإسرائيل لخوض جولة جديدة من القتال الأكثر شراسة، في ظل تسريبات عن مواصلة إيران لبرنامجها النووي، الذي لا يمكن التكهن بالمدى الذي وصل إليه، وهذا الغموض يثير مخاوف إسرائيل التي لا يمكن أن تخوض الحرب من دون مشاركة الولايات المتحدة، وهو ما يلقي بأعباء جديدة على إدارة ترامب، فأوروبا تحاول جره إلى الحرب الأوكرانية، وإسرائيل تجذبه نحو إيران، وهو يريد فنزويلا الأغنى في احتياطيات النفط في العالم، ومحاولة كبح التقدم الصيني السريع في الإقتصاد والقوة العسكرية.
الجبهة في شرق آسيا تزداد سخونة أيضا، والصين عازمة على استعادة تايوان، بينما تقف الولايات المتحدة واليابان أمام الصين، التي تنمي قدراتها العسكرية بوتيرة سريعة للغاية، وتعتزم إنهاء ملف تايون بحد أقصى عام 2027، ما سيجعل العام الجديدة مشحون بالتوترات في بحر الصين الجنوبي، ويمكن للصين فرض حصار بحري وجوي على تايوان، مستندة إلى القانون الدولي والإقرار الأمريكي بأن تايوان جزء من الصين، وبالتالي سيكون من حقها مطالبة أي سفينة أو طائرة أن تطلب إذن الصين قبل الوصول إلى تايوان، وهو ما قد يحدث في أي وقت. وكانت اليابان قد دخلت على خط المواجهة مع الصين بإعلانها التصدي لأي اجتياح صيني لجزيرة تايوان، لترد الصين بتهديد أشد لهجة مع تحركات عسكرية حول جزر اليابان، لترتفع حدة التوتر في تلك الجبهة المؤثرة بقوة على إقتصاد العالم.
إن خيار الحلول الدبلوماسية للأزمات يتباعد، ويرتفع الإنفاق العسكري بوتيرة غير مسبوقة في أنحاء العالم، من الشرق الأقصى إلى أمريكا الجنوبية، مدفوعا بأزمات داخلية لا تجد حلولا لها إلا بخيار خوض الحروب، ومخاوف كل من الولايات المتحدة وأوروبا من القوى البازغة التي تمتلك الكثير من عناصر القوة، وتهدد بنهاية عصر الهيمنة الغربية على العالم، ويدفع الفزع الأمريكي والأوروبي على المستقبل إلى مغامرات غير محسوبة المخاطر، بما يجعل العام المقبل نقطة تحول تاريخية، إما باشتعال يبدأ من إحدى الجبهات، أو بإدراك هول مخاطر حرب عالمية واسعة والجنوح نحو حلول سياسية، تفضي إلى عالم أكثر استقرارا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى