أيتها الشبابيك العارية…..بقلم فاضل عباس

يا عيون البيوت المعلّقة على أهداب الريح، يا أفواه الزجاج التي لم يعد لها إلا أن تتنفس الصمت… رفقاً، فالشتاء يتهيأ لزحفٍ بارد، يحمل في جرابه نياشين الغيوم، ويطلق في الأزقة كلاب الريح الجائعة.
الغياب ليس مجرّد فراغٍ يثقب الغرفة، بل هو موسمٌ آخر لا ينقضي. إنه الصقيع الذي يتسرّب إلى الروح، لا ليطفئها، بل ليزرع في أعماقها أزهاراً لا تُرى. غريبٌ هذا الثراء: أن يتفتّح الحزن كحقلٍ من البنفسج في صدرٍ مكسور، وأن يصير الألم حديقة سرّية لا يدخلها إلا الغائبون.
كل نافذةٍ، يا سيدتي، تصير مرآةً للذين رحلوا؛ على زجاجها يظل طيف ضحكاتهم عالقاً، وعلى إطاراتها يتدلى ظلّهم كوشاحٍ نسيته امرأةٌ على كتف الليل. البيوت تتقوس تحت وطأة الوحشة، الأرائك تتحوّل إلى مدافن ناعمة، والممرات تكتسي بظلالٍ كثيفة كأنها أطراف جنازات لا تنتهي.
ومع ذلك، أي سرّ هذا الذي يجعل الصقيع، في ذروة قسوته، يزهر؟ أهو انتقام الروح من فراغها؟ أم أنها الحكمة الغامضة التي تُحوِّل كل جرحٍ إلى نبع، وكل فقدٍ إلى ولادة؟ كأن الغياب يكتب لنا نشيداً جديداً، نرتّله لا بالكلمات، بل بالارتجاف ذاته، بالدمعة التي لم تسقط، باليد التي بقيت معلّقة في الهواء تبحث عن دفءٍ غائب.
أيتها الشبابيك ترتجفي من هبوب الشتاء؛ لعلّ في قلب الصقيع يكمن الربيع الذي لا يراه أحد. لعلّ الغياب، وهو يعضّ على أرواحنا بأسنانه الجليدية، إنما يصنع لنا بستاناً سريّاً في الداخل، بستاناً لا تلمسه الريح، ولا تدركه العيون، إلا حين نغلق أجفاننا ونصغي إلى موسيقى الفقد.