رؤي ومقالات

السفير أحمد مجاهد يكتب :من تاريخ العلاقات الدولية: لحظة “ميونيخ”

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

فى السياسة والتاريخ، هناك لحظات مفصلية تحدد مصير الشعوب والأمم -وربما العالم- لعقود لاحقة.
من بين هذه اللحظات بالغة الرمزية فى التاريخ الحديث، تبرز “لحظة ميونيخ” عام ١٩٣٨، التى أصبحت مرادفة لفشل سياسة المهادنة والاسترضاء Appeasement، ودرسا تاريخيا فى كيفية التعامل مع الدول التوسعية.
كانت تلك اللحظة تجسيدا لانتصار الحسابات قصيرة الأمد على الرؤية الاستراتيجية، واختبارا فشلت فيه الدول الكبرى، حين اختارت المهادنة بدل المواجهة، والسكوت عن التوسع بدلا من ردعه.
تشير “لحظة ميونيخ” إلى الحدث الذى وقع فى ٣٠ سبتمبر ١٩٣٨، حين تم توقيع “اتفاق ميونيخ” بين هتلر وكل من رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشمبرلين ورئيس وزراء فرنسا إدوار دالادييه ودوتشى إيطاليا موسولينى -حليف هتلر ومُيسر الاتفاق، فى محاولة لتفادى اندلاع حرب كبرى فى أوروبا.
نص الاتفاق على منح ألمانيا النازية إقليم السوديت، وهى منطقة تشيكوسلوفاكية ذات أغلبية سكانية ألمانية، وذلك مقابل ضمان السلامة الإقليمية لتشيكوسلوفاكيا (أى عدم قيام هتلر بغزوها).
اعتبرت بريطانيا وفرنسا ذلك الاتفاق “نصرًا للسلام”، وصرّح تشمبرلين بثقة عند عودته إلى لندن: “لقد جلبت السلام لعصرنا”. كما أعلن دالادييه أنه “تم إنقاذ السلام”. لكنّ الوقائع اللاحقة كشفت أن هذا “السلام” لم يكن سوى محطة على طريق الحرب.
استندت سياسة تقديم التنازلات لتجنب الحرب إلى حسابات بريطانية–فرنسية مصلحية بدت رشيدة وحكيمة لصناع القرار فى الدولتين حينذاك، ولكن تطور الأحداث أثبت كم كانت حساباتهم خاطئة وقصيرة النظر.
من أبرز هذه الأسباب:
1. الوضع الاقتصادى الصعب الذى واجهته أوروبا عقب الحرب العالمية الأول ثم اندلاع أزمة الكساد العالمى عام ١٩٢٩. وتزايد التضخم والبطالة، ومن ثم تم تقليص الإنفاق العسكرى بشكل كبير.
2. تضخيم آلة الدعاية النازية المؤثرة من قدرات ألمانيا العسكرية، مما عزز الشعور لدى القادة البريطانيين وللفرنسيين بأن المواجهة معها ستكون خاسرة، أو على الأقل مكلفة للغاية.
3. اعتبار الدول الأوروبية الديمقراطية أن النازية حليف محتمل، فى مواجهة الخطر الشيوعى الذى يمثله الاتحاد السوفييتى وخطر الاختراق الشيوعى للمجتمعات والنخب السياسية فى أوروبا من خلال “الطابور الخامس”.
4. غياب الحلفاء الموثوقين الآخرين، فالولايات المتحدة اتبعت سياسة العزلة، بينما تقاربت إيطاليا مع ألمانيا، وكانت أسبانيا تعانى من الحرب الأهلية.
انطلقت تلك الحسابات الخاطئة من تصور أنه بالإمكان احتواء التوسع الألمانى عبر تعزيز التعاون مع هتلر وتقديم التنازلات له. كان الاعتقاد السائد لدى صانعى القرار فى لندن وباريس أن هتلر يسعى فقط إلى استعادة “الحقوق الألمانية” التى انتْزِعت بعد الحرب العالمية الأولى، وأنه سيتوقف عن المطالبة بها بعد الحصول على إقليم السوديت الذى تم ضمه إلى دولة تم تشكيلها حديثا، هى تشيكوسلوفاكيا.
لكن ما تم تجاهله هو أن هذا الصنف من الحكام لا يشبع من التنازلات المقدمة إليه، وأن هذه النوعية من الدول تتغذى على العدوان وتنتفخ أوداجها مع أى بادرة للضعف فى محيطها الإقليمى (إذا كان للدول أوداج)، وأن سلوكهم العدوانى مؤسس على سردية أسطورية قائمة على التفوق والاستحقاق، وأن منطق القوة والهيمنة هو ما يحكم رؤية هؤلاء القادة وهذه الأنظمة العدوانية للسياسة الدولية، لا التسويات ولا التفاهمات الدبلوماسية ولا الصفقات.
لم تمر سوى ستة أشهر على اتفاق ميونيخ حتى غزت القوات الألمانية كامل أراضى تشيكوسلوفاكيا فى مارس ١٩٣٩. بعد ذلك، بدأت مطامع هتلر الحقيقية فى الاتضاح، وبصفة خاصة تجاه بولندا، مما دفع بريطانيا وفرنسا إلى إعلان الحرب على ألمانيا فى ٣ سبتمبر ١٩٣٩، لتبدأ الحرب العالمية الثانية رسمياً.
هكذا، لم تُجد سياسة تجنب المواجهة والتصعيد نفعا فى حماية السلام، ولا فرنسا ولا بريطانيا، بل أجّلت الصدام وفاقمت مخاطره بدلا من منعه، بينما منحت ألمانيا النازية وقتا ثمينا لتعزيز قدراتها العسكرية وتحقيق مكاسب استراتيجية دون إطلاق رصاصة واحدة، وفتحت شهيتها لغزو أوروبا، واحتلال فرنسا ذاتها، وشن حرب بحرية وجوية مكثفة ضد بريطانيا.
ولعل أهم الملاحظات اللاحقة فيما يخص اتفاق ميونيخ:
1. سوء فهم وتقدير وتفسير نوايا الخصم: راهن تشمبرلين ودالادييه على عقلانية هتلر، فخسرا التقدير والموقف.
2. مساوئ التفريط فى المبادئ، و “بيع” الحلفاء: تخلّى بريطانيا وفرنسا عن حليفتهما الديمقراطية تشيكوسلوفاكيا أضعف ثقة الدول الأخرى فى مصداقيتهما الدولية.
3. المهادنة تُغرى المعتدى وتُشجعه على العدوان: لم تُشبِع التنازلات شهية هتلر، بل فتحتها على مزيد من التوسع والهيمنة.
4. السلام الذى لا يستند إلى قوة رادعة، جماعية أو فردية، يكون هشا وسهل الانهيار.
لقد تحول “اتفاق ميونيخ” إلى رمز دائم لتحذير الدول كافة من مغبة مهادنة الدول التوسعية القائمة على القوة الغاشمة، ومن خطورة الخلط بين الرغبة فى تجنب التصعيد وبين إعطاء المعتدى الانطباع بالتحالف معه، أو بالاستسلام لإرادته.
تُذكّر “لحظة ميونيخ” الجميع بأن الاتفاقات والتنازلات مع أنظمة الحكم القائمة عضويا على العدوان والتوسع لن تجلب الأمن ولن تحقق السلام ولن تسمح بالنأى بالنفس عن التعرض للضرر، وأن عدم التصرف أو الخشية من التحرك -تحت وطأة القيود والضغوط والخلل فى ميزان القوة، والتخوف من عواقب التمسك بالمواقف المبدئية والمصلحة القومية المصحوب بالتصعيد المحسوب الحاسم- قد يبدو للبعض حكيما فى اللحظة، لكنه يظهر فى التاريخ لاحقا كخيار لم يجلب غالبا إلا إنفاذ إرادة الدول التوسعية على حساب الأطراف الأخرى التى حاولت تجنب المواجهة.
فى خضم احتفاء نخبة الحكم والإعلام فى بريطانيا بالإنجاز “التاريخى” لرئيس الوزراء تشمبرلين لدى عودته من ميونيخ أول أكتوبر ١٩٣٨، سجل التاريخ موقفا واضحا لزميله فى حزب المحافظين الحاكم ونستون تشرتشل، عندما واجهه قائلا: “كان أمامكم خياران: المواجهة أو المهادنة. فاخترتم المهادنة، وستأتيكم المواجهة “.
خَلَف تشرتشل شمبرلين فى رئاسة الحكومة البريطانية بعد ثمانية أشهر من اندلاع الحرب العالمية الثانية، و -مع الدول الحليفة- قاد بلاده فى الصمود أمام ألمانيا حتى تكلل ذلك بالانتصار على هتلر والقضاء على النازية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock