خاصَّة نفسي.. قصة بقلم الكاتب: صلاح الدين عثمان

بكى الرجل بكاءً شديداً، وارتسم شعورٌ غريبٌ على وجهه، كأنَّ شيئاً فيه انكسر ولم يجد ما يُلملمه.
لقد تقطَّعت نفسه حسرةً على ولده، الذي يجلس مكتوف اليدين في المقعد الخلفي للسيارة، صامتاً، كأنّه يُحاكم بصمتٍ لا يفهمه.
رفع بصره تجاهي، وغضّه حين رأى دموعي، ثم أخرج ابنه، وصحبه إلى داخل البيت، كأنّه يُخفيه من العالم، أو يُخفي العالم عنه.
طاف بذهني ما اضطرَّني لهذا الفعل، وبه أنهيت حياتي مع زوجي، بعد سنواتٍ انضمَّ خلالها الأبناء، وتراكمت فيها التفاصيل، حتى صار البيت أشبه بسجلٍّ جنائي.
حين اشتدّ صياحه، وكان الخمر يجري داخله مجرى الدم، تلقّيت صفعةً قويّة على خدّي، كأنّها ختمٌ أخيرٌ على وثيقة الانفصال.
زاد حنقي عليه ببذيء الكلام أمام الصغار،
الذين هبّوا مذعورين، كأنّهم يشهدون انهياراً لا يملكون له تفسيراً.
كنت بحاجةٍ إلى الاستعانة بأكبر الأبناء
وحملناه معاً، جسداً لايزال يحمل اسم الأب،
لكنّه لا يحمل شيئاً من الأبوَّة.
أخيراً جاء أخي، فترجّلت، ونقرت على الباب لأُسلّمه مفتاح السيارة.
قال:
– لا يا ابنتي!
قلت:
– أنتم في أمسِّ الحاجة إليها.
ثم أوضحت أمر أحفاده، وطلبت منهم جمع ثياب أبيهم في حقيبة، كأنَّني أُعيد ترتيب البيت من جديد، لكن هذه المرَّة بلا صاحب.
اتَّجهت إلى حيث يقف شقيقي، قاد سيارته على مهل.. تلألأت دمعة على خدِّي، حين ارتمى عليها نور الفنّار، وكتبت وهي تنزل،
كلمة “الطلاق”.
كنت أبكي من أجلك، ولا عبرة بي، لكنَّني الآن، لا أدري إن كنت أُنقذكم، أم من أجل خاصّة نفسي.
الإسكندرية 12 ديسمبر 2025م