راية في الظلام.. قصة الأمير المنسي

في أيامٍ كانت فيها الأرض تئن تحت وطأة الغزاة، وسقطت فيها #القدس عام 1099م وسط بحر من الدماء، لم يستسلم الجميع. كان هناك رجالٌ قليلون، قلوبُهم لا تعرف اليأس، وأعينُهم لا تنام على الظلم. ومن بينهم برز نجمٌ من أرض #الموصل، رجلٌ يُدعى **مودود بن التونتكين**، الملقب بشرف الدين.
عندما تولّى مودود حكم الموصل عام 1109م، لم يرَ في منصبه مجرد سلطةٍ، بل رأى أمانةً ثقيلة. كان ينظر إلى الشام، حيث تنامت الإمارات الصليبية كالأشواك في جسد الأمة. رأى #دمشق تترنح، وحلب تئن، والرها تحت قبضة الغريب. قال في نفسه: «لا بد من جمع الصفوف، وإلا ستأكلنا الرياح واحدًا تلو الآخر».
في عام 1110م، بدأت أولى خطواته الكبيرة. جمع جيشه، واستنجد ببعض أمراء الجزيرة، واتجه نحو #الرها، تلك المدينة التي كانت رمزًا للصمود الإسلامي قبل أن تسقط. حاصرها أشهرًا، ضرب أسوارها، أرهق أهلها، لكن المدد الصليبي جاء سريعًا من القدس، فاضطر مودود أن يرفع الحصار… ليس استسلامًا، بل ترتيبًا لضربةٍ أقوى.
لم ييأس. عاد مرة أخرى، وأخرى. كان يتحرك كالريح، يضرب هنا وهناك، يحاصر حصونًا، يسترد أراضي صغيرة، يُرهق العدو. وفي عام 1111م، وقف في وجه جيش كبير قرب حصن شيزر، وأجبر الصليبيين على التراجع. ثم جاءت اللحظة الأبرز: عام 1113م، استجاب لطلب النجدة من طغتكين أمير دمشق، الذي كان الصليبيون يفتكون بأراضيه. اتحد الجيشان، وانطلقا نحو فلسطين، يعبران الجليل، ينهبان القرى، ويحاصران طبرية.
وفي يومٍ من أيام يونيو، قرب جسر الصنبرة، نصب مودود كمينًا بارعًا. تظاهر بالفرار، فاندفع بلدوين الأول ملك القدس في مطاردته بتهور. فجأة، انقلب الوضع. هجم الجيش الإسلامي من كل جانب، أحاط بالصليبيين، قتل منهم الكثيرين، وفرّ الباقون تاركين خلفهم أسلحة وأحلامًا محطمة. كانت تلك أول انتصارٍ كبير يُذكر بعد سنوات من الصمت والتشتت.
عاد مودود إلى دمشق منتصرًا. استقبله الناس بالهتاف والدعاء. دخل الجامع الأموي يصلي الجمعة، وقد امتلأت القلوب أملًا. لكن كان لخيانة رأي آخر.
بعد الصلاة، وبينما كان يخرج من المسجد ممسكًا بيد طغتكين، اقترب منه رجلٌ بدا هادئًا، كأنه يريد السلام. في لحظة، انغرز خنجرٌ في صدر مودود أربع مرات. سقط القائد على الأرض، والدماء تخضب ثوبه. حاول الناس إنقاذه، عرضوا عليه الطعام ليفطر، لكنه رفض وقال: «لا ألقى الله إلا صائمًا». وفي تلك الساعة، فارق الحياة، تاركًا وراءه إرثًا من الصمود.
كان مودود قد قاتل خمس سنوات فقط، لكنه في هذه السنوات القليلة أشعل الشرارة الأولى. لم يحرر القدس، ولم يفتح الرها، لكنه أثبت أن الأمة قادرة على الوقوف، قادرة على توحيد كلمتها، قادرة على النصر إذا صدقت النوايا.
من بعده، حمل الراية **عماد الدين زنكي**، الذي حرر الرها بعد عقود. ثم جاء ابنه **نور الدين**، الذي وسّع الدائرة. وفي ظلهما ترعرع **صلاح الدين**، الذي أكمل المشوار وأعاد القدس إلى أحضان أهلها.
مودود لم يكن أعظم الأبطال شهرة، لكنه كان الأول. كان الفتيل الذي أضاء في ظلام الليل الطويل. وبدونه، ربما تأخر الفجر كثيرًا.
رحم الله مودود بن التونتكين… وجزاه خير الجزاء.