مصطفي السعيد يكتب :تشويه الصين

عندما تقدم الدول الغربية قروضا إلى دول الجنوب بشروط مجحفة، ويفرص صندوقها الدولي أن تعوم عملتها، وتبيع قطاعها العام وترفع الأسعار وتروج للقيم الغربية، وتتدخل في شئونها الداخلية فهذه مساعدات. أما عندما تقدم الصين قروضا بأسعار فائدة أقل، وفترة سماح أطول، دون شروط أو تدخل فهذا “فخ ديون”. وعندما تحقق الدول الغربية إنتاجا كبيرا فهذا نموذج نجاح، أما عندما تحقق الصين إنتاجا أكبر فهذا إغراق وإنتاج مدعوم من الدولة، بل يمكن تسميته أحيانا “إنتاج مفرط أو إستعماري”. وعندما تتدخل الدول الغربية بجيوشها لاحتلال دول مثل العراق أو أفغانستان قبلهما فيتنام والجزائر وغيرها أو تختطف رئيس دولة مثل نيكاراجوا فهذا لحفظ الإستقرار، ومن يدافع لتحرير بلده فهو إرهابي. أما عندما تطالب الصين باستعادة جزيرتها “تايوان” المعترف دوليا بأنها جزء من الصين فهذا عدوان، ينبغي التوحد وتشكيل التحالفات لمنعه. وعندما تنفرد الدول الغربية بإنتاج الأسلحة المتطورة فهذا تقدم تكنولوجي وعلمي، وعلامة تفوق وإنجاز يحفظ الأمن العالمي. أما عندما تنتج الصين أسلحة أكثر تطورا، وتبيعها لدول الجنوب بأسعار أقل بكثير، وبدون تدخل في استخدامها، فهذا زعزعة لاستقرار الأمن الدولي، يتطلب فرض عقوبات على الدول المستوردة للسلاح الصيني. وعندما تفرض الدول الغربية عقوبات على الصين، وتمنع بيعها منتجات تحتاجها فهذا حقها، أما عندما تمنع الصين بيع منتجات للغرب فهذا تجاوز لحرية التجارة، وإرباك للأسواق العالمية. وعندما انتشر فيروس عابر للقوميات والحدود من الصين، أطلقوا عليه الفيروس الصيني، وأثاروا موجة هلع تستهدف عدم استيراد كل ما هو صيني، لأنه قد يصيبهم بالوباء، وهذا لا ينطبق على أي دولة أخرى يظهر فيها فيروس متحول، بل وصل الأمر لمطالبة أمريكا بأن تعوض الصين كل من أصيبوا أو توفوا بسبب فيروس نقلته طيور لا بلد أو حدود لديها، وأصروا على أنه تسرب من معامل في الصين، رغم نفي منظمة الصحة العالمية .. الآلاف من الأخبار الكاذبة والمفبركة لابد من نشرها يوميا حول الصين، لماذا؟ لأنها تهدد ربما لأول مرة التفوق الغربي في الإنتاج الصناعي والتكنولوجيا، وأصبحت مصنع العالم، والإقتصاد الأول، وأكبر عدد من المخترعات “نحو الثلث”، ولديها أكثر من ربع مهندسي العالم، ونصف الريبوتات، وأكبرشبكة من القطارات فائقة السرعة، وأفضل بنية تحتية في العالم، وتنتج أكثر من نصف سفن العالم، ولم تكن تهتم بالإنتاج العسكري حتى وجدت الأحلاف الأمريكية تحيط بها، فاستطاعت خلال أقل من 10 سنوات أن تصبح لديها أكبر وأحدث قوة بحرية، وجيشها الأكبر يستخدم أعلى تكنولوجيا، وعسكريوها من أفضل المتعلمين والفنيين، وأفضل قدرات بدنية، وتفوقت في أهم فروع الأسلحة الحديثة من حيث الكم والتقدم وسرعة الإنتاج، فأصبحت تهدد التفوق العسكري الغربي، وتمنح السلاح دلول الجنوب لتعزز من استقلالها السياسي والإقتصادي، لهذا ينبغي تشويه الصين، خاصة أنها لا تملك أدوات دعائية مثل الغرب، وليس لها أتباع مستأجرين، ولا تقدم رشاوى للمسئولين، فكان من السهل إغراق الصين بالشائعات والأخبار الكاذبة، وأنها تحكم الشعب الصيني بالحديد والنار، وهو ما لا يتسق من أن الصين ترسل نحو مليون طالب سنويا للتعليم في الجامعات في أنحاء العالم، منهم 260 ألفا في الجامعات الأمريكية، و240 ألفا في الجامعات الأوروبية، والبقية في دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأستراليا، فلا توجد دولة في العالم ليس بها طلاب صينيين، معظمهم بعودون إلى بلدانهم طواعية، والبعض يعمل في البلدان التي تخرج منها، ولا تمانع الصين في بقائهم، رغم كل ما أنفقت عليهم. قالوا إن الصين رأسمالية، لأن القطاع الخاص نسبته نحو 60%، وقطاع الدولة 40%، لكنهم لا يدركون أن القطاع العام يملك أهم الصناعات الإستراتيجية، والقطاع الخاص فيه عمال وفلاحون ومنتجون، لهم أسهم أو أراضي أو شركات تعمل وفق خطط الدولة. رجل الأعمال الصيني يختلف تماما عن رجل الأعمال الغربي، يعمل بالتنسيق مع الدولة والحزب الشيوعي، يتحدد له ما تحتاجه الدولة، معظمهم لا يركبون سيارات فخمة، بل ربما لا يملكون أي سيارات، لأن من الصعب جدا استخراج رخصة سيارة، لتوفر شبكة هائلة من المواصلات العامة المريحة والسريعة، يمكن استئجار سيارة أو تاكسي طائر، لكن من الصعب استخراج رخصة سيارة خاصة تزيد الزحام. القطاع الخاص فيه قطاع تعاوني عبارة عن مجموعات تتعاون في مشروع مشترك، وشركات مساهمة بين الدولة والأفراد، وهذا التنوع ساهم في تنافس إيجابي، زاد من الإختراعات والبحوث والتطور العلمي والتقني، والمنافسة على الجودة، تحت مظل يوفر كل متطلبات الحياة الكريمة لمليار و400 مليون نسمة. لا يحتل أي موقع إلا كفاءات تثبت جدارتها العملية، ولها إسهامات ملموسة في خدمة المجتمع. الرئيس شي بينج عمل في المزارع، وتقدم 7 مرات للإنضمام إلى الحزب الشيوعي وتم رفض قبوله، حتى عمل في قرية نائية، وتدرج في مناصب من القرية إلى مدن حتى العاصمة، وأثبت كفاءة ونجاحا. هناك منافسات بين إدارات المقاطعات حول تطور وكفاءة مجتمعاتهم المحلية، ومن يثبت كفاءته يرتقي.لا يعني هذا أن الصين بلا مشاكل أو عيوب، لكنها مجتمع حيوي. قالوا إن كاميرات الشوارع تراقب الناس للقبض على المناوئين، لكن الكاميرات 3 أضعاف كاميرات أمريكا التي يلغ عدد سكانها أقل من ربع سكان الصين، وتقدم شاشات وكاميرات الشوارع خدمات متميزة للشعب، يكفي أنك إذا شعرت بوعكة تبلغ شاشة في ميدان أو شارع أو محطة مترو لتأتيك سيارة إسعاف فورا، وتنقلك إلى مستشفى تجهز لاستقبالك وعلاجك. إن انقطاع الكهرباء لساعات في نيويورك يحولها إلى فوضى في السرقة والإغتصاب والنهب، لكن إذا انقطعت الكهرباء أيام في شنجهاي لا جرائم تحدث. أجرى صحفي غربي تجربة بأن وضع حقيبةنسائية سعرها 35 ألف دولار ومفتوحةوفيها موابايل غالي ونقود في شارع ليس به كاميرات لساعات ولم يسرقها أو حتى يحاول أي شخص فحصها، حتى أبلغ مواطن الشرطة لتسلمها والبحث عن صاحبها. الشرطي هناك لا يحمل سلاحا، ومن الصعب أن تلاحظ وجوده. ورغم أي عيوب أو أخطاء في الصين، يكفي أنها نقلت 800 مليون من الفقر المدقع والجهل والمرض إلى مستوى الطبقة الوسطى، وارتقت بالتعليم والخدمات الصحية والعامة إلى مستوى يفوق البلدان الغربية.









