مصطفي السعيد يكتب :كيف تضع أمريكا رجالها في السلطة؟ – أردوغان نموذجا

كان أردوغان عضوا في حزب الرفاه الذي كان يقوده نجم الدين أربكان، وفي خطاب له قال: مساجدنا ثكناتنا، وقبابنا خوذاتنا، ومآذننا صواريخنا، والمصلون جنودنا في حربنا ضد الغرب الإستعماري، فجرى القبض عليه بتهمة التحريض على الإرهاب، لكنه أمضى 4 أشهر فقط كانت نقطة التحول في حياته، بل في مسيرة تركيا والمنطقة. خرج أردوغان بعد اتفاق غامض، اتضحت بعض جوانبه فيما بعد. أسس حزب العدالة والتنمية، في مواجهة حزب قائده السابق نجم الدين أربكان، الذي كان يواجه تضييق ومطاردات، لأنه يتبنى سياسات تعتبر الكيان عدوا رئيسيا، ومعها أمريكا وأوروبا، وتم حظر حزب أربكان، فأسس حزبا جديدا باسم “الفضيلة”. انشق عنه أردوغان، وأسس حزبا منافسا لزعيمه، يتبنى سياسة مختلفة، لا تعادي الغرب أو الكيان، وتعهد بأن يسير على نهج أتاتورك العلماني، ويتمسك بمبادئه، وألا يكون الإسلام سوى عباءة، تتناول بعض الأفكار المنتقاة بما لا يتعارض مع الغرب ومصالحه .. وفجأة، وبعد تحولات أردوغان العميقة من معادي للغرب والكيان إلى صديق وحليف تحت راية الحزب الوليد، اكتسح حزب العدالة والتنمية الإنتخابات قبل أن يكمل عامه الأول، في مفاجأة مدوية، كيف لحزب وليد أن يحقق أغلبية مطلقة، لكن الأغرب كان قدوم استثمارات هائلة إلى تركيا أردوغان من أوروبا وأمريكا، مصانع وبنية تحتية حديثة، لتحقق تركيا أعلى معدل تنمية في تاريخها، وتضاعف دخل الفرد، ليتحول أردوغان إلى “معجزة”، وأصبح أتباعه يرددون أنها بركة من الله بوصول قائد إسلامي التوجه إلى الحكم، لكنها كانت بركة حلف الناتو، الذي أراد نظاما يبدو إسلاميا في الشكل، لكنه في المضمون حليفا للكيان والغرب، ينفذ خططه، وينافس النموذج الإيراني المعادي للكيان والغرب، ويجعله النموذج الأكثر نجاحا، بينما العقوبات تحاصر إيران، وتوجه لها الضربات بعد أن أفلتت من الحرب التي شنها صدام حسين بتشجيع من أوروبا وأمريكا، ووعد بأسلحة وأموال ودعم سياسي تجعل العرب يلتفون حوله، لكن صدام خسر المعركية بعد مليون قتبل في كل جهة، وكلاهما مثخن بجراح حرب لم يكن لها ما يبررها، سوى تشجيع الغرب لصدام على استغلال تفكك الجيش الإيراني، وهروب جنرالات الشاه. كان رفض انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي طبيعيا، لأنهم يريدونه زعيما إسلاميا تلتف حوله الشعوب والحكومات العربية، برطانة إسلمية وجوهر تابع للإمبريالية. كان هذا دور أردوغان، الذي حصل بمقتضاه على دعم أوروبي وأمريكي غير مسبوق، جعل من تركيا دولة قوية ومتطورة، ستجعلهم يخترقون المنطقة العربية بوجه إسلامي، وينسج علاقات قوية مع دول القوقاز التي جاء منها أسلاف أردوغان العثمانيين، إنه الشخصية المناسبة تماما، لأن الكيان محاصر بالرفض الشعبي، بينما أردوغان سيجد أرضية جاهزة من الجماعات السلفية، وعلى رأسها الإخوان، وعقد أردوغان مؤتمرا هائلا في اسطنبول قبل 5 سنوات فقط من الربيع العربي، حضره ممثلون عن جميع التنظيمات الإسلامية في العالم كله، تحت إسم “القدس”، وسعى إلى توحيد وتنسيق الأدوار بدعوى تمكين الإسلام، مع مراعاة عدم إثارة غضب الغرب والكيان، وكأنه مجرد تكتيك مؤقت، لكنه كان الإستراتيجية التي وضعتها المخابرات الغربية، بالسيطرة على شعوب المنطقة، واستخدامها أدوات في بسط سيطرة الغرب على العالم، ومنع روسيا من النهوض، ومنع الصين من الصعود، وتوفير بيئة آمنة للكيان. التف قادة الخليج حول مخطط أردوغان، ودعموا مخطط الربيع العربي بالإتفاق مع الغرب ومنظماته الممولة، التي تتبنى كل مطالب الجماهير حتى تسقط الأنظمة، ثم تنقض عليها الجماعات الأردوغانية السلفية، التي كانت قد تربت وتوسعت بأموال ودعاة مدعومين من دول الخليج، لكنها سلمت القيادة لأردوغان، لكن خطأ قد حدث في منتصف الطريق، فقد تعجلت جماعة الإخوان، ونشطت خلاياها النائمة في السعودية والإمارات، وهما داعمان رئيسيان في المخطط، وانزعت البلدان، وخشيت من أن خطة أردوغان ستبتلع بلديهما وسلطتهما، فانقلبتا على أردوغان عدا قطر، التي أصبحت حليفا استراتيجيا لأردوغان، وكان للإنقسام دوره في إرتباك المخطط كله، واقترب من الفشل التام، وبدأت تتهاوى أنظمة وصل للحكم فيها جماعة الإخوان والسلفيين، مع وضع برنيطة من شخصيات كانت يسارية أو ليبرالية “حالمة أو متواطئة”، لكنها بلا دور حقيقي سوى تجميل الأردوغانية، ومجرد قناع للإيهام بأن ثورات الشعوب مازالت منتصرة، أو يمكنها ذلك، وعند فشل أردوغان وجماعة الإخوان، يبدو أن الغرب قرر التخلص منها، فكان الإنقلاب العسكري عليه، واستغله أردوغان في التخلص من عشرات آلاف المعارضين، من الجيش والجامعات والمعلمين والموظفين والقضاة، ثم تعرضت تركيا لانتكاسات إقتصادية، مع انسحاب رؤوس أموال وشركات غربية، وانفضت قيمة الليرة التركية من ليرة واحدة مقابل الدولار إلى أربعين ليرة للدولار، لكن أردوغان عاد من جديد بعد نجاح مفاجئ في سوريا، وتنصيب الجولاني، بتخطيط من مخابرات إسرائيل والغرب، في عملية مخابراتية، استغلت إنشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، ليعود الدعم إلى تركيا، ويستعيد توكيل تمثيله لمصالح أمريكا والكيان والغرب في المنطقة، بل امتد ليشمل مناطق في أفريقيا تشمل ليبيا والصومال والسودان والصحراء الكبرى، وأصبح له قواعد عسكرية، تعوض طرد فرنسا، وضعف الوجود الأمريكي، بل سعى إلى مد دوره إلى آسيا الوسطى أيضا، وها هو مستمر في تنفيذ المخطط الذي اتسع وتزايد مع شعور أوروبا بالضعف، واحتياجها لشخصية مثل أردوغان، تستطيع مساندتها في المواجهة مع روسيا والصين وإيران ومجموعتي البريكس وشنجهاي، ليعود بريق أردوغان، ويستعد لمغامرة جديدة، إما أن تعيد الأمل في زعامة تحت قيادة الغرب، أو أن يضيع معها أو قبلها.









