
حينَ يسقط اللَّيل على القلب بلا نجمةٍ تهديه، يحدث التَّعطل، حين تنطفئ الشَّرارة التي كانت تُنير التَّفاصيل الصَّغيرة، وتكتشفَ سرَّ الحياة في أبسط الأشياء.
عندها تتحوّل الدُّنيا إلى شاشةٍ شاحبة، يمرّ فوقها العالمُ مرورَ الغريب.
ولا تعرف لماذا لم يَعُد يوجعك هذا العالم؟!!
ولا لماذا لم تَعُد تنتمي إليه؟!!
ذاك ليس حزناً عابراً، ولا خيبةً مُرهِقة، بل انكسارٌ في العصب الخفيّ
الذي يصل الإنسانَ بمعناه.
حينها تصير الرُّوحُ ظلًّا يرافقك من باب الواجب، وتصير خطواتك عادةً لا رغبة، ويغدو صوتك هديراً خامداً جاء من زمنٍ فقدتِه دون أن تدري.
يصبح البحر صفحةً بلا زرقة، ويغدو الموتُ خبراً هادئاً كأنّه يحدث في كوكبٍ آخر، وتتحوّل موسيقى “بيتهوفن” إلى موجٍ يلمس الأذن، ولا يبلغ أعماق القلب.
ولوحة “صرخة” لإدفارت مونك لا تهزّ زجاجك.
ويَمُرُّ الشِّعر العظيم كرياحٍ مقطوعةِ النَّفس، وتصيح اللُّغة كلُّها في صحراءَ لا تُجيد ردَّ الصدى.
وعندما تُطفأ الومضة، نبدأ في اختراع قيمٍ بديلة، نهرب إلى الضَّجيج، إلى الاستهلاك، إلى ذاك الفتات الصغير الذي لا يمنحنا شيئاً
إلّا أنّه لا يجرح.
نهرب من العميق لأنّه صار يؤلم أكثر ممّا يُنقذ، ونتعلّق بالسطحي لأنّه لا يطلب إيماناً ولا قلباً يشتعل.
وهكذا نتحوّل، ببطءٍ مُذِلّ، إلى آلاتٍ تمشي وتعمل وتتنفّس، من غير أن تُحسَّ بوزن نفسها في الدُّنيا.
نكتب كي لا نموت، ونبتسم لأنّ الابتسام صار وظيفة، ونعيش على قيد الذاكرة، لا على قيد الندى.
نحلم بأجنحةٍ لا تتذكّر الطيران،
ونتحدّث بأفواهٍ انطفأت أصواتها
كما تنطفئ المدنُ بعد الحرب.
في عصرٍ يُمجّد اللامبالاة، تصبح العاطفةُ تُهمة، والاهتمام شكلٌ من أشكال التَّمرد، والرَّجفةُ فضيحة،
والصُّدقُ جرحٌ ينبغي إخفاؤه.
في عصرٍ يمجدُ اللامبالاة، عندما ترتجف أمام قبر لا تستغرب أقرب الناس إليك يخطط لكيفية التقاط صور الزفاف. أو عندما تبكي تراه مُنشغل بعدِّ الإعجابات.
هم يريدون عيوناً جميلةً لا متّقدة،
وكلماتٍ مهذّبةً لا صادقة، ووجوهاً تبتسم ولو من باب المجاملةِ الاجتماعية.
يريدون إنساناً مؤجَّلاً، وقلباً مؤجَّلاً،
وجرحاً مؤجَّلاً، وحقيقةً مؤجَّلة…
إلى أجلٍ قد لا يأتي.