
أمطري…
لا كغيثٍ عابرٍ يبلّل التراب ثم يمضي،
بل كمفردةٍ خرجت من حنجرة الجنوب،
من تعبِ النخيل،
من شهقةِ دجلةَ حين شاخ الانتظار.
أمطري…
فهذا القلبُ كوخُ صيّادٍ
تهشّمت نوافذه من ريحِ الخيبات،
وهذا الصدرُ سهلٌ يباب
أكلته مواسمُ القسوة
ولم يبقَ فيه
غيرُ حفنةِ رجاءٍ
تخبّئها الروحُ
كما تخبّئ الأمُّ رغيفها الأخير.
أمطري…
ليغتسلَ الحقدُ من ملامحه،
ليسقطَ الصدأُ عن الكلمات،
ولتتعلمَ النارُ
أن تخجلَ من دموع الماء.
أمطري…
كي تعودَ القلوبُ
طفلةً تمشي حافيةً في الحقول،
تصدّقُ الغيم
ولا تعرفُ الحساب،
تضحكُ للضوء
وتبكي دونَ مكر.
أمطري…
فالإنسانُ تعبَ
من حملِ نفسهِ عدوًّا،
من بناءِ الأسوارِ داخلَ صدره،
من دفنِ أخيه
تحت شعاراتٍ باردة.
أمطري أملاً
ينزلُ لا صاخبًا
بل شفيفًا
كصلاةِ فلاحٍ عند الفجر،
أملاً
يوقظُ فينا
ذلك الإنسانَ القديم
الذي كان
إذا ابتلّ بالمطر
ابتسم،
ولم يسأل:
لِمَ تمطرُ السماء؟
أمطري…
فربما
إذا بكَتِ السماءُ طويلاً،
تعلّمنا
كيف نغسلُ أرواحنا
ونولدُ
من جديد.