حسام السيسي يكتب :بين النوستالجيا والعدم السياسي: حمدين صباحي ومقامرة “اللقطة” الأخيرة

في الوقت الذي تعيد فيه الجغرافيا السياسية تشكيل نفسها، وتصارع فيه الشعوب من أجل البقاء الاقتصادي والوجودي، يصر البعض على البقاء أسرى لزمن توقف لديهم عند شعارات الخمسينيات.
يأتي مشهد “الوقفة التضامنية مع فنزويلا ومادورو” بقيادة حمدين صباحي، ليس كفعل سياسي ناضج، بل كصرخة يائسة في وادٍ سحيق، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام حالة مستعصية من “الضحالة الفكرية” وغياب البعد الاستراتيجي.
حين نرتد بالذاكرة إلى الوراء، نجد أن البعض -بمن فيهم كاتب هذه السطور- قد غرق يوماً في “ساذجة سياسية” غير مبررة، حين تمنينا يوماً أن تأتي ثورة يناير بحمدين صباحي رئيساً لمصر.
كنا نرى في خطاباته المستنسخة من روح عبد الناصر مخرجاً، لكن الأيام كشفت أننا كنا نلهث وراء سراب. اليوم، ومع تكرار المواقف الهزلية، ندرك حجم “الضحالة” التي غُلفت بعبارات براقة؛ فالتاريخ لا يُبنى بالنوايا الطيبة أو بالأصوات العالية في قاعات الجامعة أمام السادات، بل بالرؤية التي تفتقر إليها هذه الشخصية تماماً.
إن أزمة “حمدين أفندي” هي “عزلة ذهنية” كاملة. فبينما يئن الشارع تحت وطأة تحديات معيشية، يختار هو توجيه بوصلته نحو كاراكاس. هذا الانفصال ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو “جهل سياسي” بأولويات المواطن الذي لا يرى في مادورو خبزاً ولا أمناً. إنها محاولة لفرض أجندة “ثورية قديمة” على واقع يتطلب لغة الأرقام والمصالح لا لغة الهتافات التي برع فيها منذ صباه في مدرسة الشهيد جلال الدسوقي.
تلك التحركات هي “إنارة شمعة خافتة” في غرفة غادرها الجميع. لقد فقد صباحي “القبول الشعبي” لأنه استهلك رصيده في العيش على أطلال كاريزما لم تعد موجودة. السياسة هي “فن التأثير”، وما يفعله اليوم هو “فن الظهور”؛ هو يمارس سياسة “أنا هنا” ليداري حقيقة أنه أصبح “هناك”.. في طي النسيان السياسي، بعيداً عن تلك الأيام التي كان يُنظر إليه فيها كمعارض صلب ضد نظام مبارك وقانون العلاقة بين المالك والمستأجر.
تتجلى الضحالة في عجز هذه الرموز عن تقديم “بديل” يتجاوز حدود التنديد. الرؤية الاستراتيجية تقتضي فهم موازين القوى الدولية، أما الاكتفاء بـ “دس الأنف” في أزمات دولية بعيدة لكسب لقطة إعلامية، فهو دليل على إفلاس فكري يجعل من صاحبه مجرد “ناشط” يبحث عن كاميرا، وليس “رجل دولة” يبني مشروعاً.
ما يفعله حمدين صباحي اليوم ليس أكثر من محاولة “للتنفس الصناعي” سياسياً، لكنه يجهل أن الشارع قد تجاوز محطته منذ زمن طويل. فمن لا يملك رؤية لبيته، لن يجد من ينصت إليه وهو يتحدث عن فنزويلا خلف المحيطات. لقد انتهى زمن “الممثل العاطفي” وبدأ زمن “الرؤية الاستراتيجية”، وهو ما يفتقده صباحي تماماً.