عبد الرحمن بن عبد الله الغافّقي

لما سقط السمح بن مالك شهيدًا في معركة تولوز اختار الجيش أحد زعمائه وهو عبد الرحمن بن عبد الله الغافّقي للقيادة العامة، واستطاع بمهارته العسكرية أن يجمع شتات الجيش الإسلامي, وارتد بهم إلى الجنوب حيث الأندلس, وأقرته الجماعة واليًا للأندلس, حتى يأتي الحاكم الجديد, فلبث في منصبه شهرين -وهذه هي ولايته الأولى- واستطاع خلالها أن يخمد بوادر الخروج التي ظهرت في الولايات الجبلية الشمالية, ولبث يخمد الفتن ويصلح الأمور, حتى قدم عنبسة بن سحيم رحمه الله في صفر سنة 103هجرية, الذي اختاره بشر بن صفوان والي إفريقية واليًا على الأندلس.
كان عنبسة رحمه الله سياسي محنك، ومحارب متمرس, وقائدًا تَقِيًّا ورعًا, ومجاهدًا حَقَّ الجهاد, وكانت نفسه تتحرق شوقًا للقاء الأعداء كي يقابل أولئك الذين قتلوا القائد الرباني السمح بن مالك غدرًا, كي يشفي صدره منهم, ولكنه في الوقت نفسه يعلم إن عليه كمسلم أن يحسن الإعداد لقتال عدوه, يحسن إعداد قوته, وخيله كي يكون قادرًا على مواجهة أعدائه في ميدان المعركة.
أنفق عنبسة عامين في تنظيم الإدارة, وضبط النواحي, وإصلاح الجيش, وإعداد السلاح, وكان يعيد النظر في أماكن وجود جند المسلمين في الجبال تطل على أعدائه, فيعيد تحصين ما يراه ضعيفًا من تلك الحصون, وكذلك يبني حصونًا جديدة, ويقيم معابر وقناطر جديدة, ويعيد ترميم القديم منها ليسهل على جيشه الطريق ليعبروا عليها فوق الماء, وبذلك يختصرون الطريق.
وفي ناحية الأخرى وراء جبال البيرنيه أخذ شارل مارتل يستعيد بجيشه لليوم القريب الذي سينطلق منه المسلمين مرة أخرى لغزو بلاده, لكنه لا يعرف الاتجاه الذي سيبدأ منه المسلمين المعركة جيدًا, سار عنبسة في الجيش إلى الشمال غازيًا وعبر جبال البيرنيه, وبدأ بغزو سبتمانيا التي فقد المسلمون كثيرًا من معاقلها منذ هزيمة تولوز, واستولى على قرقشونة ونيمة وما بينهما من القواعد.
وتابع زحفه شمالاً حتى وصل نهر الرون ونفذ إلى مدينة برجونية وكان أهل هذه المدينة قد قبلوا مصالحة المسلمين على أن يدفعوا الجزية, فلما استشهد السمح, ووقف المسلمون موقفًا صعبًا بعد تراجع حاكم برجونية هو وشعبه عما سبق وأبرموه من عهود ومواثيق, وأعلنوا نقضهم للصلح الذي عقدوه مع البطل الشهيد السمح بن مالك, لذا كان وَجَبَا على عنبسة أن يؤدبهم.
وصل الجيش الإسلامي إلى مشارف المدينة وجد أن أود دوق أكتانية حاكم منطقة حوض الرون قد جمع جموعًا كثيفة وزودها بالسلاح والعتاد, وجاء إليه المتطوعة من كل حدب وصواب, ولقد تخيل الدوق أود أنه في استطاعته أن يمنع جيش المسلمين من مواصلة الزحف نحو غايته الكبرى في فتح البلاد, واستنقاذ العباد.
لم يمض وقت طويل حتى ابتدأت المعركة, والتقى الجيشان, أما المسلمون فإن لهم شوقًا عظيمًا لهذه المعركة, وفي نفوسهم تعطش شديد له طيلة عامين وهم يستعدون لها, التقى الجيشان وجهًا لوجه, ودارت معركة شديدة بينهما, أما عنبسة فقد كان يعرف جيدًا أن جنود أعدائه يحاربون وفي نفوسهم الرغبة في الحفاظ على الدنيا, لأنهم بلا مبدأ ولا غاية, يحاربون من أجل الحياة, وهو يعرف جيدًا جنوده أولئك الذين يحاربون وهم يحرصون على الموت أكثر مما يحرص عدوهم على الحياة.
اجتمع المسلمون فصاروا جماعات مترابطة تقاتل إلى جوار بعضها البعض على شكل كتائب, ولم يطل صبر أتباع أود إذا لم يمض وقت طويل حتى كانت المعركة قد انتهت بهزيمتهم, وإعلانهم عدم قدرتهم على مواجهة هذه الأعاصير والهزيمة عندهم أحب من الموت.
كان قائدنا البطل يعرف أن عليه أن يجهز ويعد العدة, ويبذل أقصى ما لديه من طاقة ومن قوة لتحقيق النصر الذي لا يجيء إلا بميعاد وقد حدده المولى عز وجل منذ القدم, وما عليه إلا السعي والأخذ بأسباب النصر كما أمر الله تعالى, وبعد ذلك فالله هو الفعال لما يريد, ينصر من يشاء وقتما يشاء بأي كيفية شاء.
عبر عنبسة نهر الرون ثم وصل زحفه حتى وصل مقطعة أوتون فغزاها؛ وأخذت القرى والمدن تتساقط وراء بعضها بكثرة بين أيدي المسلمين, وأهلها لا يملكون دفاعًا عن بلادهم, ولان العزم كان شديدًا في قلوب المسلمين اتجه عنبسة بجيشه نحو مدينة سانس فحاول دوق أكتانية أن يوقفهم, فدخل بقواته معهم في معركة شديدة القسوة, صبر المسلمون فيها كعادتهم لجموع النصارى, ثم لم يلبثوا أن أنزلوا بالجيش الصليبي هزيمة عظيمة لم تكن تخطر على باله, فلقد تمزق جيشه تمامًا, وترك المسلمون جنوده ما بين قتيل وجريح, ومهزوم وأسير, واستطاع عنبسة دخول مدينة سانس – وهذه المدينة تبعد عن باريس ثلاثين كيلو مترًا فقط – مما يعني أن عنبسة رحمه الله وصل إلى ما يقارب من 70 % من أراضي فرنسا.
يقول المؤرخ إيزيدور الباجي عن فتوح عنبسة: كان نجاح عنبسة راجعًا إلى الجرأة والبراعة, أكثر منه إلى القوة والكثرة, وكان لينه ورفقه وحسن معاملته للسكان, عاملاً في تقوية سلطان الإسلام في جنوبي فرنسا.
بعد هذه الفتوحات الكبرى قرر عنبسة أن يأخذ وهو رجاله قسط من الراحة, وتفرق الجيش عنه, وعبر عنبسة نهر الرون إلى الشرق, حتى يعود إلى الأندلس مرة أخرى إذ داهمته قبل أن يجتمع إليه جيشه, جموع كبيرة من الصليبيين, فأصيب أثناء الموقعة التي نشبت بجراح بالغة استُشهد على أثرها, وذلك في شعبان سنة 107 هـ = ديسمبر 725م, فارتد الجيش إلى الداخل, وبموت عنبسة رحمه الله انتهت أحد أروع فصول الجهاد الإسلامي في أوروبا.
الروض المعطار في خبر الأقطار ** الكامل في التاريخ ** البيان في أخبار المغرب والأندلس ** تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير** نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ** جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ** الصلة في تاريخ أئمة الأندلس لابن بشكوال ** دولة الإسلام في الأندلس ** التكملة لكتاب الصلة ** الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية ** تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا ** حضارة العرب في الأندلس ** الإسلام في المغرب والأندلس
{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}