تاريخ العرب

هارون الرشيد

لم يكن هارون الرشيد معجزةً نزلت من السماء، بل ابنَ
معادلةٍ سياسية دقيقة صاغتها الخيزران بذكاء أمٍّ تفهم
السلطة أكثر مما يفهمها الفقهاء.
وُلد في قلب الدولة العباسية وهي في صعودها، وتربّى في قصرٍ لا يُخرّج الزهّاد بل يصنع الحكّام: سيفٌ في يد،ومصحف في الأخرى، ودفاتر حساب الدولة على الطاولة.
تعلّم منذ طفولته أن الخلافة ليست صلاة طويلة فقط، بل جيشٌ لا يتأخر راتبه، وولاةٌ لا يتمردون، ومدينةٌ إن جاعت ثارت، وإن شبعت غنّت.
حين مات الهادي، لم يصل هارون إلى الحكم لأن السماء اختارته، بل لأن السياسة اختارته. العباسيون كانوا يعرفون أن الدولة لا تُدار بوريثٍ متهور، وأن الخلافة في تلك اللحظة تحتاج رجلاً يستطيع أن يكون تقيًا أمام العامة، ومرنًا أمام النخب، وقاسيًا حين يلزم. هكذا دخل الرشيد الحكم بلا دماء،لكن ليس بلا صراع؛ فالسلطة العباسية آنذاك كانت كبركانٍ هادئ، تحته برامكة، وعلويون، وفقهاء، وقادة جيش،وكلٌّ ينتظر لحظة الضعف.
هارون الرشيد لم يكن حاكمًا بسيطًا، بل مدير إمبراطورية. كان يعرف متى يُظهر الورع، ومتى يترك الغناء يملأ القصر،ومتى يفتح بيت المال، ومتى يغلقه بالسيف.
صلاته الكثيرة لم تكن كذبة، لكنها لم تكن أيضًا برنامج حكم. وزهده إن صحّ كان زهداً شخصيًا، لا مشروع دولة.
كان يصلي كثيرًا نعم. لكنه كان أيضًا يعيش في قصرٍ يعرف أن الجمال فيه سياسة، وأن الموسيقى تهدئة للنخب، وأن الجواري ليست شهوة فقط، بل جزء من ثقافة البلاط الإمبراطوري.
الذين يريدون هارون الرشيد راهبًا يكذبون على التاريخ،والذين يريدونه سكيرًا ماجنًا يكذبون كذلك.
الحقيقة أبعد وأقسى، كان رجلًا يعرف أن التناقض هو شرط الحكم. يصلي مئة ركعة، ثم يجالس إسحاق الموصلي. يبكي عند قبر، ثم يوقّع أمر حرب. يتصدّق بسخاء، ثم يجمع الضرائب بلا رحمة. هذا ليس نفاقًا، بل منطق دولةٍ كبرى لم تعد تُدار بالأخلاق المجردة.
أما أبو نواس فلم يكن صديق الخليفة، ولم يكن مهرّجه، ولم يكن ضميره الساخر. كان شاعر بلاط، يقترب حين يُسمح له،ويُجلد أو يُسجن حين يتجاوز الخط.
أبو نواس لم يكن ظاهرة أخلاقية، بل عرضًا جانبيًا لعصرٍ بلغ فيه الترف حدّ الفلسفة. وجوده في بلاط الرشيد لا يعني أن الخليفة كان فاسدًا، بل أن الدولة العباسية كانت واثقة من نفسها إلى حدّ أنها سمحت لنقيضها بالجلوس قربها. الحضارات الواثقة تتحمّل السخرية، أما الحضارات الخائفة فتعدم الشعراء.
قضية الجواري والمغنيات لا تحتاج دفاعًا ولا اعتذارًا. لم يكن الرشيد استثناءً، بل كان القاعدة. الحريم في ذلك العصر لم يكن فضيحة، بل مؤسسة اجتماعية وثقافية واقتصادية. الجواري كنّ لغات، وموسيقى، ونفوذًا ناعمًا، وأحيانًا أمهات خلفاء. من يريد أن يحاكم الرشيد بأخلاق القرن الحادي والعشرين، عليه أولًا أن يحاكم أثينا وروما وباريس ولندن في عصورها الإمبراطورية. السلطة حين تترفه، لا تفعل ذلك لأنها شريرة، بل لأنها تشعر أن العالم ملكها.
أما الأسطورة التي ربطت هارون الرشيد بالنجوم والفلك والأسرار الغيبية، فهي خرافة لاحقة.
الرجل دعم العلم، نعم،لكنه لم يكن فلكيًا ولا ساحرًا. العلم في عهده كان مشروع دولة، لا هواية خليفة. بيت الحكمة لم يكن نبوءة، بل استثمارًا استراتيجيًا في المعرفة بوصفها سلاحًا. العباسيون فهموا مبكرًا أن من يملك الترجمة يملك المستقبل، وأن من يترجم أرسطو اليوم يحكم بغداد غدًا.
والآن إلى السؤال الأخطر،ما حقيقته؟
حقيقته أنه كان ذروة الدولة العباسية وبداية انحدارها في آن واحد. في عهده بلغت بغداد أقصى ازدهارها، وفي عهده أيضًا ترسّخت الدولة داخل العائلة، وتحوّل الحكم إلى إرثٍ قابل للتفكك. تقسيمه الخلافة بين أبنائه لم يكن خطأ شخصيًا، بل تعبيرًا عن وهم إمبراطوري يعتقد أن القوة أبدية. الرشيد لم يرَ الخراب، لكنه سلّمه مفاتيحه.
هارون الرشيد ليس قديسًا، ولا شيطانًا، ولا حكاية للأطفال. هو مرآة دولةٍ حين بلغت قمتها، فرأت نفسها جميلة إلى حدّ أنها لم تنتبه للهاوية خلفها. ومن هنا تأتي خطورته وأهميته. ليس لأنه صلى كثيرًا أو غنّى كثيرًا، بل لأنه علّمنا دون أن يقصد أن الإمبراطوريات لا تسقط حين تفسق، بل حين تظن أن قوتها قدرٌ إلهي لا يُسأل.
هذا هو هارون الرشيد
ليس كما أراده الفقهاء، ولا كما شوّهته ألف ليلة، بل إنسانٌ ذكي، معقّد، نجح بامتياز وترك خلفه دولةً ستدفع ثمن نجاحه لاحقًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى