وليد عبد الحي يكتب :ايران بين التغير والتكيف

في 16 يناير 1979 فر شاه ايران بعد ثورة شعبية عارمة، وتم اعلان انتصار الثورة في فبراير التالي ، لكن بدايات الثورة كانت في اكتوبر 1977، اي ان الحراك الشعبي بين صعود وهبوط استغرق حوالي 15 شهرا، وكان العامل الحاسم – وليس الوحيد – في الانتصار هو اعلان الجيش الايراني (جيش الشاه) حياده في المواجهة بين المعارضة الايرانية وبين الشاه، وهو ما نزع من الشاه اظافره، وتضافر مع هذا العامل وجودة قيادة جامعة للمعارضة تمثلت في الخوميني ثم وجود اسس اجتماعية لمبررات الثورة من فساد وسوء توزيع للدخل والتبعية السافرة للولايات المتحدة.
ومنذ انتصار الثورة الايرانية جرت موجات من الاضطراب السياسي والاجتماعي بخاصة ان الارهاق الذي أعقب الحرب العراقية الايرانية عمق من مشكلات النظام الجديد، الى جانب محاولة النظام الجديد الظهور بمظهر المستقل عن القوى الدولية المركزية(الاتحاد السوفييتي والغرب)، اضافة الى ان الخطاب السياسي الديني لم يًرُقْ لكافة الشرائح ،اضافة الى التكاتف العربي وراء الغرب لاسقاط النظام الايراني بعد ان اعلن انحيازه التام للقضية الفلسطينية، وترافق مع ذلك تنامي التيارات الدينية مما خلق قلقا عميقا لدى النظم السياسية في الاقليم .
ومنذ انتصار الثورة الى الآن عرفت ايران احدى عشرة موجة من الاحتجاجات ضد النظام القائم، اي بمعدل اضطراب كل اربع سنوات ونصف تقريبا، مع ملاحظة ان قوة هذه الاحتجاجات تتباين من حيث:
أ- السبب الأبرز للاحتجاج
ب- حجم الاحتجاج واتساعه
ت- مستوى العنف في مواجهته.
والملاحظ ان فترتين من عمر الثورة كانتا الاكثر اضطرابا هما الأولى من 1979-1989(العشرية الاولى للثورة) حيث جرى فيها 3 انتفاضات كبرى، والثانية من 2009- 2019 والتي عرفت ايضا اربع انتفاضات ـ تليها الفترة من 2019 الى الآن حيث جرى انتفاضتان،وتوزعت الانتفاضتان الأخريان على سنوات متفرقة.
وتركزت اهم اسباب الاضطراب في قضايا عديدة اهمها : موضوع الحجاب، تنافس بين قوى اجنحة الثورة، التشكيك في الانتخابات الرئاسية بشكل خاص(الحركة الخضراء) ،احتجاجات ضد تغييب البعد القومي لصالح البعد الديني( يوم قورش الكبير)،السياسات الاقتصادية، او بعض الوقائع الفردية مثل مقتل الشابة الكردية مهسا اميني عام 2022…الخ
ذلك يعني ان موجة الاضطراب الحالية ليست مفاجئة للنظام بخاصة مع تزايد الاختراق الاستخباري لبنية النظام والمجتمع والتي اتضحت جلية في الهجمات الاسرائيلية والامريكية في يونيو 2025 على ايران ، لكن عوامل اخرى عدة تُعزز الاضطراب الداخلي على النحو التالي:
1- ان الجرعة الدينية في بنية النظام السياسي اعلى بشكل واضح من الجرعة الدينية في ثقافة المجتمع الايراني المعاصر.
2- تبدو المساندة الدولية لحركة المعارضة الايرانية تزداد تصميما بخاصة من جانب القوى الغربية واسرائيل وبعض الدول العربية.
3- تداعيات الحصار الاقتصادي بقدر ترك بصماته على الوضع العام من خلال مؤشرات واضحة اهمها:
أ- تراجع متسارع لقيمة العملة المحلية
ب- معدل الاستقرار السياسي في ايران الآن هو بالسالب( -1.69( مما يجعلها ضمن اعلى 20 دولة في عدم الاستقرار) واصبح ترتيبها 177 من 193 دولة، ومع ان اسرائيل قريبة من المعدل الايراني (بالسالب -1.46 والترتيب الدولي هو 173) إلا ان الحراك الاجتماعي في اسرائيل يتسم بخاصيتين هما ،الحذر الشديد جدا من الاجهزة الامنية لمنع وقوع ضحايا من ناحية ، وعدم ميل المعارضة في اسرائيل الى “التخريب المادي والاغتيال “، من ناحية اخرى ، وهما صفتان لا تتوفران في ايران.
ت- ان مستوى الديمقراطية في ايران جعل ترتيبها الدولي في الخانة 154 بمعدل 1.96( وهي نفس القيمة بين 2008 الى 2012) وتحسنت حتى 2018 ثم انتكست منذ تلك الفترة حتى الآن.
ث- رغم العسر الاقتصادي ،إلا ان النظام تمكن من تحقيق معدل معقول من عدالة توزيع الثروة( 35.9)،وهي نسبة تعد انجازا للنظام، رغم تاثيرات البطالة والفساد .
ج- من الضروري ادراك ان ايران متنوعة قوميا وطائفيا ،فالفرس حوالي 55% يتركزون في الهضبة، بينما اطراف الجغرافيا الإيرانية تضم كلا من العرب والاكراد والبلوش والأذريين واللور اضافة للتنوع الطائفي ولو بحدة اقل من التنوع القومي.
لكن للمعارضة الايرانية نقاط ضعفها ايضا :
أ- وجود رضا بهلوي ضمن قادة المعارضة يضعف حماس شرائح واسعة عن المشاركة، كما ان التوافق بينه وبين قوى كثيرة لا يتعدى الصفر.
ب- عدم وجود قيادة واحدة ومحددة للمعارضة،مما يجعل استراتيجية التخطيط الثوري منعدمة.
ت- الصورة السلبية للولايات المتحدة واسرائيل لدى المجتمع الايراني(طبقا لاستطلاعات الرأي المختلفة) والتي تعززت بعد الهجوم الامريكي والاسرائيلي على ايران في حرب ال 12 يوم العام الماضي، وهو ما يضعف المساندة العلنية الدولية للمعارضة.
ث- اكتساب النظام الايراني خبرة في ادارة الاحتجاجات والتكيف مع معطياتها.
ج- ان نتائج التغيرات في تونس والعراق وسوريا ومصر وليبيا وافغانستان لم تعط صورة مغرية للاحتذاء بها بل انتهت الى حالة فوضوية ، مما اضعف من دلالات الانتفاضات.
لكن العامل الحاسم في تحديد مستقبل الحراك هو ان درجة ولاء القوى الخشنة(الحرس الثوري والجيش والاجهزة الامنية) للنظام السياسي الايراني ما تزال عالية ، وهو ما يقلص من حظوظ المعارضة بقدر كبير،بخاصة إذا قدم النظام بعض التنازلات لا سيما في البعد الاقتصادي .
يترتب على كل ذلك عدة احتمالات:
1- استمرار النظام في السلطة على المدى القريب مع تكرار الاحتجاجات بين الحين والآخر، ويبدو ان هذا الاحتمال يصل ما بين 60-65%
2- اتساع الاضطرابات بقدر اوسع من كل الحالات السابقة منذ 1979، وهذه تتراوح بين30- 35%، ويتعزز هذا الاحتمال تدريجيا إذا نشب خلاف داخل النخبة الحاكمة او إذا امتد الحراك للمؤسسة العسكرية.
3- احتمال سقوط النظام بخاصة إذا جرى تدخل خارجي فاعل ، وتصدعت النخبة الحاكمة، وتمكنت المعارضة من تشكيل قيادة ذات مصداقية لدى اغلب قوى المعارضة، لكن احتمالات ذلك تبقى ضعيفة خلال المدى الزمني المنظور، وتقدر نسبة هذا السيناريو ب10-15%.
4- لكن “البجعة السوداء” لا يجوز التغافل عنها، فموت خامنئي(87 سنة) يمكن ان تنطوي على تغيرات في حالة وقوعها في فترة قريبة للغاية، كما ان “الهوج الترامبي”لا يجوز استبعاده، او وقوع حدث على غرار نموذج “الفراشة” الشهير الذي طرحه إدوارد لورينز.
خلاصة الامر، إن تزايد التأزم الاجتماعي ، واستمرار انكماش قوى محور المقاومة ، وزيادة النزعة العسكرتارية الامريكية والاسرائيلية للتدخل تنطوي هي الأخرى على احتمالات عديدة ، لكن المدى الزمني القصير يحتاج لحدث عميق ليتغير المشهد جذريا، وهو امر لا تلوح بوادره على الأقل فورا .