أحمد رمضان خليفه يكتب :خفوت سحر ووهج الكلمة المطبوعة: الصحافة القومية بين مطرقة التكلفة وسندان عزوف جيل “زد”.
هل زيادة سعر الصحف حل دائم لأزمة الديون أم مسكنات تعمق الهوة مع القارئ؟

لم يكن قرار رفع سعر النسخة اليومية للصحف القومية المصرية من ثلاثة جنيهات إلى خمسة مع مطلع عام 2026 مجرد تعديل اقتصادي عابر، بل كان أشبه بـ “رصاصة الرحمة” التي تُطلق على جسد متهالك، أو ربما “صرخة وداع” أخيرة من مؤسسات عريقة تقف على حافة الهاوية.
هذا القرار الاضطراري والمفهوم دوافعه ، الذي جاء تحت وطأة ارتفاع تكاليف الطباعة وشح الاعلانات وضعف التوزيع، ينبىء عن مرارة المشهد الذي تعيشه الصحافة الورقية المعاصرة، مشهد انحسار مؤلم وغياب شبه تام عن وجدان وتطلعات وطموحات القارئ التقليدي.
* ** / ارقام توزيع لا تليق بتاريخ في بلد يقارب تعداد سكانه الـ 120 مليون نسمة، وتاريخه الصحفي يمتد لأكثر من قرنين، باتت أرقام التوزيع اليومي للصحف القومية الكبرى تروي حكاية مأساوية عن ” أشواك ” غير مسبوقة فى طريق المهنة واستمراريتها . فبينما كانت هذه الصحف تُطبع بمئات الآلاف وتُشكل الرأي العام خصوصاً الأعداد الأسبوعية مثل <<جمهورية الخميس>> و<<أهرام الجمعة>>و<<أخبار اليوم السبت>> ، أصبحت اليوم تلفظ أنفاسها الأخيرة بأرقام متواضعة لا تتناسب حتى مع حجم حي صغير في العاصمة الصاخبة .
هذا التراجع ليس مجرد خلل بسيط أو عابر، بل هو انفصال روحي بين الكلمة المطبوعة والجمهور الشاب الذي هجرها إلى فضاء أرحب وأسرع.
بحسب بيانات رسمية صادرة عن الهيئة الوطنية للصحافة، تبلغ أصول ديون المؤسسات الصحفية القومية نحو 6.8 مليار جنيه، بينما يصل إجمالي المديونية مع الفوائد المتراكمة إلى قرابة 14 مليار جنيه، مع وجود تقديرات غير رسمية ترفع الرقم إلى ما يزيد على ذلك.
هذه أرقام تفسر جانبًا مهمًا من أزمة الصحافة الورقية، وتطرح سؤالًا مشروعًا:
كيف يمكن الحديث عن تطوير المحتوى واستعادة الثقة، بينما تعاني المؤسسات من أعباء مالية ثقيلة تراكمت عبر سنوات؟
*/لماذا انطفأ سحر الجريدة؟لم يكن هجر القارئ للجريدة الورقية وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمية لـ “هوة العصر ” منذ شيوع عصر الانترنت المتجدد.
*/ الخبر “البائت” والتحليل الغائب: في زمن تتدفق فيه الأخبار عبر شاشات الهواتف المحمولة لحظة بلحظة، لم تعد المطبوعة قادرة على المنافسة في سباق السرعة.
والمؤسف أن الصحافة القومية لم تنجح في التحول إلى “صحافة التحليل لا الخبر “، حيث التحليل العميق، والتحقيق الاستقصائي الجريء، والمعلومة الجديدة التي لا يجدها القارئ في وسائل الإعلام ” التيك أواي ” .
لقد بات المحتوى سطحى وتافه يجاري سمة العصر الذى يلهث وراء “التريند والريتش” بل في كثير من الأحيان “صدى باهت” لما نُشر بالأمس، بلا سقف حرية ينقل نبض المواطن أو يلامس همومه الحقيقية مع غياب أقلام مهنية رصينة مثل : محمد حسنين هيكل و فهمى هويدي وعبد الفضيل طه و عبد الوهاب مطاوع ومجدى مهنا ومحسن محمد ورجائي الميرغنى ومحمد السيد سعيد وغيرهم، بينما اليوم لو سألت المارة فى الشارع عن اسم رئيس تحرير صحيفة قومية أو خاصة فلن يعرف، ناهيك عن عدم شراءه أصلاً لجريدة مطبوعة منذ زمن طويل!
•جيل “زد” ووداع الورق: فالجيل الصاعد الذي نشأ على إيقاع التكنولوجيا السريع، لا يعرف طقس قراءة الجريدة الصباحي و رحيق رائحة الورق الجذابة، بالنسبة له، المعلومة يجب أن تكون (فورية، تفاعلية، ومتاحة على الموبايل بضغطة زر) . هذا الجيل لم يترك الصحافة الورقية عن عمد، بل تجاوزها الزمن الذى لا يهدأ.
•الخسارة المزدوجة: لم تكتفِ الصحف بخسارة القارئ، بل خسرت المُعلن الذي حول بوصلته نحو المنصات الرقمية الأكثر كفاءة ووصولًا. هذا النزيف المالي فاقم من ديون المؤسسات، جاعلًا منها “أطلالًا اقتصادية” تعيش على ذكريات الماضي التليد.
*/روشتة إنقاذ أم شهادة وفاة؟
إن زيادة سعر الجريدة في هذا التوقيت الحرج، دون تقديم “قيمة مضافة” تبررها، تبدو وكأنها محاولة يائسة لتعويض الخسارة على حساب ما تبقي من قراء.
إن إنقاذ ما تبقى من صروح السلطة الرابعة العريقة يتطلب أكثر من مجرد حلول مالية، وربما يتطلب “ثورة رقمية في الروح والمحتوى والسقف”:
*/إعادة اكتشاف الدور والغاية: يجب أن تتحول الصحافة من مجرد نقل و تسجيل للأحداث إلى “منارة” للتحليل والعمق والتفسير، وتقديم صحافة متخصصة تخدم شرائح محددة بمحتوى لا يمكن استبداله.. فلا يكفي مجرد وجود موقع إلكتروني، بل يجب بناء منظومة رقمية متكاملة تستثمر في البودكاست والفيديو ووسائل التواصل الشبابية الحديثة ، وتتبنى نماذج اشتراك حصري رقمي مدفوع، لتستعيد مكانتها في الفضاء الجديد والأهم العودة إلى أنين الشارع، باختصار : يجب أن تستعيد الصحافة دورها كـ “مرآة” للمجتمع، تنقل نبضه وتدافع عن قضاياه، وتتبنى نبض المواطن لا تمجد المسؤل حتى ترضي القارىء الواعي الذكي الذى تعمل عنده.
في الختام، تقف الصحافة القومية المصرية اليوم في مفترق طرق مؤلم: فإما أن تستفيق من سباتها العميق وتُعيد اكتشاف رسالتها وقيمتها في هذا العصر المتغير، أو أن نشيع ” السلطة الرابعة ” لمثواها الأخير بدموع حارة لا تعيد الميت إلى الحياة بل تتذكر مآثره وتدعو له بالرحمة والغفران وربما نشهد قريباً رحيل سحر صاحبة الجلالة التى كانت يومًا جزءًا أصيلًا من ذاكرة الأمة ووجدانها ومستقبلها.









