الأمثالُ الشَّعبيَّةُ , ومُعاناةُ المِصريينَ زَمَنَ الاحتلالِ …بقلم محمد عبد اللاه أحمد

السلام عليكم
– ومن الأمورِ التي لم تتجاهلْها الأمثالُ الشعبية ، ولم تكنْ لتغفلَ عنها عبرَ التاريخ ، ولا يجوزُ لنا أن نغفلَ عن ذكرها في هذا المقام – وإن كانت مؤلمة – معاناةُ الشعب المصري من قِبَلِ الحكام الغرباء ، وعساكرهم الجبناء ، وما أشاعوه في البلاد والعباد من جهل وفقر ومرض على مدى قرونٍ طويلةٍ مظلمةٍ انتشر فيها الظلم ، والاستبداد ، وخيَّم عليها الذل والاستعباد ؛ فجعل أصحاب البلاد الأصليين ، وملاكها الحقيقيين – رغم كثرة عددهم – يقومون بخدمة القلة الوافدة المتحكمة في زمام الأمور ، المتمثلة في المحتلين الإنجليز ، أو الفرنسيين ، أو الأتراك ، أو غيرهم من أصحاب القوى الغاشمة المسيطرة ، حيث لا ينالون منهم إلا القهر والمهانة والإذلال ، حتى أنهم قالوا : ” آخِرِ الْمَعْرُوفْ الضَّرْبِ بِالْكُفُوفْ ” – ” مَاحَدِّشْ يِيجِي مِنِ الْغَرْبْ يُسُرِّ الْقَلْبْ ” – ” البِيتْ بِيتَ ابُونَا وِيِيجُوا الْغُرْبْ يُطْرُدُونَا ” – آخِرْ خِدْمِةِ الْغُزّ عَلْقَةْ “–” رَاحِتْ مِنِ الْغُزّ هَارْبِةْ قَابَلُوهَا الْمَغَارْبِةْ ” .
– والغُزّ : هم عساكر الترك الذين كانوا يحكمون مصر ، والمَغَارِبَة : هم عساكر مرتزقة من أهل المغرب النازلين بمصر من الزمن القديم حتى عصر محمد علي الكبير ، وكانوا لا يقلون عن عساكر الترك في الشر .
– وقد أدى ذلك إلى كراهية المصريين لأولئك العساكر وأتباعهم وسياساتهم وسيطرتهم على حياتهم العامة والخاصة ؛ حيث قالوا : ” إِنْ كَانْ دِرَاعَكْ عَسْكَرِي اِقْطَعُهْ ” ، وقالوا : ” لَا عَزِيزْ عِنْدِ الْإِنْجِلِيزْ ” – ” إِيشْ تَاخُدْ مِنْ تَفْلِيسِي يَا بَرْدِيسِي ” – ” يَا دِي السَّنَةْ اللِّي فْي عَهْدْ سَعِيدْ اللِّي يِطْلَعْ مِنْهَا يِعْمِلْ لُهْ عِيدْ ” – ” حُكْمْ عُثْمَنْلِي لَا يُتْرُكْ وَلَا يْخَلِّي ” .
– وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى ظهور ما يسمى بالطبقية ؛ حيث انقسم المجتمع المصري في ذلك الوقت إلى طبقتين متباعدتين شكلًا ومضمونًا .
– الأولى : هي الطبقة العليا المتميزة الوافدة التي تشمل الأمراء والإقطاعيين والباشوات الذين يمتلكون القصور والفدادين والأبعديات ، ويتحكمون في مقدرات البلاد وخيراتها ، ويحكمونها بالحديد والنار ، إضافةً إلى بعض العائلات المصرية المشهورة بكثرة أعدادها وأموالها وأراضيها الزراعية ، والتي تمتد جذورها إلى أصول عربية عريقة كالهوارة مثلًا .
– والثانية : هي الطبقة الدنيا المهملة الراكدة التي تشمل الدهماء ، والغوغاء ، والفقراء من المصريين الذين لا يملكون شيئًا غير أنهم يعملون خدمًا وعبيدًا عند أصحاب الطبقة العليا في القصور والعِزَب والأبعديات مقابل قوت يومهم لا غير حيث نجد البواب ، والطباخ ، والسفرجي ، وسائق الأتومبيل , وسائق الكريتة ، والجنايني ، والسايس , والدادة ، والخادم ، والخادمة ، وغيرهم من جموع الشعب المصري الكادح ليل مساء ، إضافةً إلى الفلاحين والمزارعين والعمال الذين يعملون لدي أصحاب الطبقة العليا بأجرهم الضئيل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع .
• ففي تقسيم المجتمع إلى طبقتين مختلفتين متباعدتين قالوا : ” رَايِحْ فِينْ يَا صُعْلُوكْ بِينِ الْمُلُوكْ ” – ” اِنْتَ فِينْ يَا بَدْرْ وَانَا فِينْ ” – ” شَيْ يَاكُلْ بَلَحْ وَشَيْ يِتْكَتَّفْ بِالشَّمَارِيخْ ” – ” حُكْمِ الْقَوِي عَ الضَّعِيفْ ” – ” نَاسْ بِتَاكُلْ عَسَلْ , وِنَاسْ بِتَاكُلْ خَلْ , وِنَاسْ تِنَامْ عَلَى الْحَرِيرْ , وِنَاسْ تِنَامْ فِي الطَّلْ ” .
• وقالوا : ” نَاسْ لِيهَا بَخْتْ , وِنَاسْ مَالْهَاشْ , وِنَاسْ بِتْقَضِي حَيَاتْهَا بَلَاشْ ” – ” النَّاسْ مَقَامَاتْ ” – ” المَيِّةْ مَاتِمْشِيشْ فِي الْعَالِي ” – ” اللِّي يِعْمِلُهْ الْعَالِي يِسْتَحْمِلُهْ الْوَاطِي ” – ” العِينْ مَاتِعْلَاشْ عَ الْحَاجِبْ ” .
• وكان إذا طُلِبَ من أحد أصحاب الطبقة العليا تزويجُ ابنته لأحد الفلاحين أو أحد الخفراء مثلًا يقول : ” أَرْمِيهَا لِلتِّمْسَاحْ وَلَا يَاخُدْهَا فَلَّاحْ ” – ” أَحُطَّهَا فْي بِيرْ وَلَا يَاخُدْهَا غَفِيرْ ” .
• وفي العلاقة بين الخادم والمخدوم , أو بين العبد والسيد كما كانوا يزعمون , يقولون : ” اللِّي يِجَّوَّزْ سِتِي أَقُولْ لُهْ يَا سِيدِي ” – ” قَالْ : اُطْبُخْ يَا عَبْدْ , قَالْ : كَلِّفْ يَا سِيدِي ” – ” قَالْ اُطْبُخِي يَا جَارْيِةْ كَلِّفْ يَا سِيدِي ” – ” حَاجْةِ السِّتّ فِي الصَّنْدُوقْ , وِحَاجْةِ الجَّارْيِةْ فِي السُّوقْ ” – ” الأَبْعَدِيِّةْ تَمَلِّيَّةْ ” – ” مَا لِقْيُوشْ الْأَكْلْ يِنَتِّشُوهْ , جَابُوا عَبْدْ يِلَطِّشُوهْ ” .
• وقد دفعهم التضجر من هذه السيادة المزعومة أن يقولوا وهم ساخطون : ” مَا أَسْخَمْ مِنْ سِتِّي إِلَّا سِيدِى ” , وكانوا يقولون وهم يائسون متحسرون : ” إِنْ كَانْ لَكْ حَاجَةْ عِنْدِ الْكَلْبْ قُولْ لُهْ يَا سِيدِي ” .
– وقد كان أولئك المخربون المستخربون لا ينتمون إلى الإسلام غالبًا ، ولا يعرفون عنه شيئًا ، فكانوا يعاملون أصحاب البلاد المحتلة معاملة غير إنسانية لا تخلو من القمع ، والتنكيل ، والإذلال مما أثار في نفوس تلك الشعوب بما فيهم المصريون بغضًا وكراهية لأولئك المحتلين الغاشمين ، ومن ينتسب إليهم دينًا ، وعقيدة ؛ حيث ناصبوهم العداء ، وقاوموهم مقاومة شعواء حتى تمَّ لهم النصر والاستقلال بعد كفاح شديد ، وجهاد مديد ، فقدت البلاد خلاله الغالي والثمين من الأنفس والأموال ؛ حتى أنهم قالوا : ” عَدُوَّكْ عَدُوّ دِينَكْ ” – ” عَدُوّ زَمَانْ مَالْهُوشْ أَمَانْ ” – ” عَدُوَّكْ عَدُوَّكْ وَلَوْ هَادِيتُهْ ” – ” عُمْرِ الْعَدُو مَا يِبْقَى حَبِيبْ , وُعُمْرْ شَجَرِةِ التِّينْ مَا تِطْرَحْ زَبِيبْ ” – ” العَدُو عَدُو وَلَوْ أَكَّلْتُهْ حَلَاوَةْ , السِّنْ يِضْحَكْ وِقَلْبُهْ كُلُّهْ عَدَاوَةْ ” – ” عَلَيَّا وْعَلَى أَعْدَائِي ” .
– وكان أولئك المحتلون الغاشمون الظالمون يستخدمون أشد أنواع التعذيب في معاقبة المجاهدين الأحرار من أصحاب البلاد المحتلة , الرافضين لوجودهم في بلادهم , المناوئين لحكمهم وظلمهم وجبروتهم .. منها على سبيل المثال : النفي خارج البلاد , والحبس في غياهب السجون سنين طويلة , والتعذيب الجسدي والنفسي لبعض المعتقلين حتى الموت باستخدام وسائل مختلفة منها : الخَازُوقُ الذي هو خشبة تدخل في أسفل الرجل فتمزق أحشاءه وتقتله , والعَرُوسُ الخَشَبِيَّةُ التي يوثقون فيها المتهم , ثم ينهالون عليه بالأسواط وهو عاري الجسد حتى يغشى عليه , والصَّعْقُ بالكهرباء الذي يسلطونه عليه حتى يغيب عن الوعي تمامًا , والقتلُ شنقًا أو تعليقًا في حبل حتى الموت في ميدان عام أمام أهله وذويه , وغير ذلك من وسائل التعذيب المختلفة التي تقشعر منها الأبدان وتهتز لها القلوب .
– ومن أولئك المجاهدين الأحرار الذين أعدمتهم دول الاحتلال بتهمة الخيانة : محمد كريم – حاكم مدينة الإسكندرية خلال عهد الحكم العثماني لمصر على يد الاحتلال الفرنسي , والطالب الأزهري سليمان الحلبي الذي قام باغتيال قائد الحملة الفرنسية على مصر الجنرال كليبر ؛ حيث حكم عليه الفرنسيون بحرق يده اليمنى وبعدها يتخوزق ويبقى على الخازوق لحين تأكل رمته الطيور(19)
, والمجاهد الليبي الشهير عمر المختار الذي أعدمه الطليان أمام شعبه شنقًا , والمجاهد الجزائري الشيخ العربي التبسي الذي تكفل بتعذيبه الجنود السنغاليون بأمر من قادة الاحتلال الفرنسي , وبعد عدة أيام من التعذيب قام أربعة منهم بحمله وهو موثق القدمين واليدين , ثم وضع قدميه في برميل كبيرة مليئة بزيت السيارات المغلي المتأجج , وإنزاله شيئًا فشيئًا حتي دخل فيها بكامله فاحترق وتبخر وتلاشى(20) .
– ومن المجاهدين الذين تمَّ تعذيبُهم ونفيُهم خارج البلاد سنين طويلة : المجاهد المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي , والمجاهدة الجزائرية جميلة بوحريد , والأمير عبدالقادر الجزائري , والزعيم المصري أحمد عرابي , وصاحباه عبدالله النديم , ومحمود سامي البارودي .
– وفي ذلك قالوا : ” يَامَا فِي السِّجْنْ مَظَالِيمْ ” – ” البِيتْ بِيتَ ابُونَا وِيِيجُوا الْغُرْبْ يُطْرُدُونَا ” – ” قَالُوا لَلْمَخْزُوقْ : اِسْتِحِي , قَالْ : اللِّي رَاجِعْ لِلدُّنْيَا يِبْكِي عَلِيهَا ” – ” قَالُوا : شَنْقْ وَالَّا خَنْقْ , قَالْ : كُلُّهْ فِي الرَّقَبَةْ ” – ” قَالُوا لَلْمَشْنُوقْ : غَطِّي رِجْلِيكْ , قَالْ : إِنْ رِجِعْتْ عَاتْبُونِي ” – ” المَخْزُوقْ يِشْتِمِ السُّلْطَانْ ” .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ









