رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :غرفة تعذيب أنيقة

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

صناعة القارئ التافه عملية مصممة يقف خلفها خبراء في علم النفس والاعلام تقوم على قواعد كالتفاعل السريع والمكافأة ـــــــــ الاعجاب الفوري الكبير ـــــــــــ وموضوع سهل ومضحك وقصير وغالباً ما يتعلق بالغرائز مباشرة أم غير مباشرة. وبحكم المحاكاة والتقليد يلجأ آخرون الى صناعة محتوى أكثر تفاهة لكسب الاعجاب ومع الوقت تتحول التفاهة من عادة الى عملية بيولوجية تتعلق بالدوبامين والادمان الذي يؤدي الى التوتر في حال الانقطاع لذلك يستمر في انتاج هذا المحتوى حتى يصبح شهيراً . لا يعرف القارئ ان النظام مصمم حسب اهتمامات القارئ السابقة والموثقة وتتم تعزيز هذا السلوك فيه عن طريق الدعم والانتشار حتى تتجذر فيه” شخصية التافه” الذي لا يعرف انه تافه لانه وسط تافهين خضعوا للعملية نفسها.
بعض الكتاب بل أكثرهم بدل الارتقاء بالقارئ ،صار يكتب النص القصير من عبارة واحدة أو أكثر لــــــــــــــــ” إسترضاء” القارئ السريع مما قلص من مساحة النصوص الجادة وصارت منعزلة بل تبدو داخل حفل الفكاهة كطلقة مسدس مفاجئة وصار الكاتب الجاد كمجنون بكامل ثيابه في شاطئ للعراة.
أما المحتوى الجدي والعميق والمنتج، فيجري تصويره على أنه:” ممل، مفجع، حزين، طويل، كئيب” لأنه لا يشبع الحاجة الفورية للمرح الأبله ولا في تحسين المزاج وتحفيزه على الشعور بالرضا والمتعة. لقد تم ” تدريب” القارئ على محتوى سطحي سريع بلا عمق ولا يحتاج الى تفكير وسطحي في حين ان المحتوى العميق والجاد يسبب له السأم. أعرف أعدادا من هذا النوع على صفحتنا دخلوا في ظروف سريعة وبين وقت وآخر ننظف الصفحة من هذه النماذج ” الحزينة، المتوجعة، المتألمة” من مقال ثقافي وليس من مذبحة، وفي الحقيقة ان هؤلاء لم يقرأوا المقال لكنه رد الفعل النمطي للقارئ التافه.
المقال الجاد يحتاج الى فهم ووقت أطول للقراءة والى قدرة على التحليل في حين المقال السريع والتافه لا يحتاج الى ذلك. لقد تم صنع” القارئ النمطي” لأن الثقافة العميقة والايجابية المثمرة لا توفر المتعة ولا التحفيز الغرائزي ولا اشباع الحيوان فيه، وينظر اليه على أنه” محبط، وكئيب” وهادئ وهذا الهدوء لا يفيد هذا القارئ لأنه تم تلقينه على الضجيج وعلى الاطراء والمدح ــــــــــــــ هو يعرف انه فارغ ــــــــــــــــ وتخلص من الاتزان العقلاني ـــــــــــ من أين يأتي به؟ ـــــــــــــ وتخلص من بيئة ثقافية جادة توفر له الشك في قناعات وتوفر له الصداع في فحص الأوهام وتخض طمأنينته المبنية على أوهام.
هذا القارئ لا يشكل خطرأ على نفسه فحسب بل على المحيط حوله لأنه يساهم في صناعة بيئة تافهة ومن دون شك سيقدم مكافأة أو هدية منزلية لهؤلاء في حال حل الحزورات وفك طلاسم المحتوى التافه وعلى هذا النحو يتم اختراع” تقاليد التفاهة” في المنزل ثم المجتمع.
القراءات السطحية نتيجتها ضرب المعرفة الجوهرية. المحتوى السريع يتطلب مكافأة فورية ، كالاعجاب والاطراء، مما يفقد العقل القدرة على التفكير العميق والتركيز وموت التفكير النقدي. المخاطر التي يتعرض لها هذا الصنف أكبر من أي توقع وفي خيارات الحياة اليومية المصيرية وتتجاوز قصة قارئ تافه الى انسان تم تفريغه من كل محتوى بلا غرفة تعذيب ولا استجوابات ومطاردة لكنه” الترويض الناعم” وبناء شخصية هشة ضعيفة تعاني من التدهور العقلي والعاطفي وعاجزة عن اتخاذ قرارات مصيرية حاسمة لأن الحسم يتطلب الشجاعة الايجابية وقد تم سلبها ويتطلب قوة الارادة ولم تعد موجودة وعمق الشخصية وقد تم تسطيحها، ويصبح الخروج من الصفحة كالخروج من غرفة تعذيب.
اذا كان هناك من لا يزال يعتقد ان التفاهة العامة المسيطرة على كل شيء اليوم هي نتاج ظروف محلية فقط، عليه مراجعة نفسه وقراءة كتاب
الباحثة الرصينة الانكليزية فرانسيس ستونر بعنوان: ” من الذي دفع للزمار who paid the piper ؟”،
وهو من مثل أنكليزي يقول من يدفع للزمار، اي موسيقي الشوارع يسمع اللحن الذي يريد،
وهو الكتاب الذي صار مرجعاً في مراكز ابحاث رصينة وحديث الاندية الثقافية والادباء، ولم يتوقف النقاش حوله حتى اليوم، لأن الكاتبة معروفة بمصداقيتها وتوثيق كل شيء.
تستند فرانسيس على الاف الوثائق المفرج عنها من وكالة المخابرات البريطانية والامريكية، عن الطريقة المنهجية المنظمة التي تمت بها
عملية السيطرة والتحكم على العالم، وتقديم الرؤية الامريكية الرسمية
كحل وحيد لمشاكل العالم،
واشاعة التفاهة في الفن والادب والشعر واللغة، والموسيقى وتخريب الذوق العام والاغاني،وفي الازياء والافلام، وانحسر كل شيء جاد وتم تقديم
عبر وسائل اعلام تابعة للمخابرات مباشرة أو غير مباشرة،
كل الاعمال الانسانية المقاومة لمشروع سلطةالتفاهة على أنها من مخلفات الماضي أو أعمال منقرضة أو من فعل حمقى أو مرضى نفسياً،
وشيطنة كل ما هو جميل وأصيل وانساني.
لم يتم ذلك عبر وسائل حربية وسياسية فحسب، كتدبير الانقلابات والحروب بل شمل ميدان الثقافة بصورة خاصة حتى وصل الأمر الى تمويل جامعات أمريكية بصورة غير مباشرة كجامعة هارفرد وكانت فضيحة مدوية عبر ستار الدعم الثقافي المالي،
لفرض فكرة” الفن للفن”، والتخلي عن فكرة الالتزام الادبي والاخلاقي على انها مضادة لجماليات الفن،
لأجل تحويل الانسان الى مخلوق تافه الاهتمامات،وفارغ من أي اهتمامات جادة واغراق الاسواق بالبضائع
الاستهلاكية والازياء وجعل الحصول على زي جديد نوعاً وهدفاً وفوزاً وفرحاً،
وصار التزاحم على أسواق الأزياء والاحذية والحقائب والبناطيل الممزقة كحج يومي ورحلة سعيدة
لمواطن مفرغ من اي اهتمام يحاول عن طريق الشراء تأكيد ذات خاوية ومسطحة،
وصار النموذج المطلوب هو الرجل أو المرأة التي حددتها وسائل الدعاية،
وارتبطت المواقف والمشاعر الانسانية النبيلة والنقيةبنوع الازياء والعطور والأحذية وكل الاشكال التافهة،وصارت ثقافة ونمط تفكير،
في حين صار الانسان الرصين والجاد والمثقف كائنا غير مرغوب فيه،
وخارج المقاييس المبتذلة. كائن معقد يحتاج الى علاج نفسي لأنه مصمم على البقاء في منطقة نظيفة رغم التيار.
يدعم هذه المظاهر المسطحة ومن خلال ضخ اعلامي وصور مبتذلة ودعاية واعلانات شركات من كل الأنواع،
في كل مكان، في فرشاة الاسنان والأدوية والمساحيق،
وحتى على علب الثقاب والمعجون والشامبو، والالبسة الداخلية والساحات العامة والحيطان. الى أين المفر؟
لم تعد التفاهة حالة افتراضية بل صارت واقعاً وصناعة ومنتجات وأذواقاً ، فلماذا أنت تصر على البقاء متخلفاً ولا تلحق بالجماعة؟
كلها تؤكد أنك لن تكون سعيداً ومقبولاً،
بلا شراء هذه السلع، وهي فكرة جهنمية تستند على مبادئ علم النفس
في تحريك عقد الاحتقار الذاتي ومشاعر الدونية للتعويض عن طريق الشراء،
بدل اللجوء الى وسائل أكثر رصانةً وجديةً، نقيض مشروع الاستغفال.
حصار نفسي خانق ومع ذلك هناك من يقاوم بثقة تامة، مستنداً على ذات راسخة وأحاسيس ثابتة وثقة بالذات لا تتزحزح.
لم تعد قيم الانسان كالنزاهة الاخلاقية والعفوية والوضوح والبراءة والنبل والثقافة هي المعيار، بل صار نوع الحذاء والهاتف والسيارة
والبنطال والتبجح والسفاهة والبهلوانية والخواء العقلي،
هي معايير النجاح.
الأخطر والابشع صارت هذه المظاهر تتحكم بمشية الانسان وكلامه وطريقته في التعبير وفي نظرته وموقفه من نفسه وللاخرين.
إنه اغتيال أنيق للانسان الطبيعي، من أجل الربح والسيطرة.
دخلت مرة منزل جارتي وقد تجاوزت الثمانين عاماً لشراء مكتبتها الخشبية الانيقة القديمة ووجدت ان كل اثاث المنزل قديماً لكنه نظيف ومنظم وبادرت هي في التوضيح:” لم أبدل آثاث المنزل منذ شبابي ولا الهاتف ولا التلفاز ولست غبية لكي أفعل ذلك كل عام وأغرق في التفاهة”. كانت تخرج للمشي رغم الثلج الهاطل وتجد سعادتها في تفاصيل الحياة البسيطة.
في حين ظلت المراكز الثقافية مهجورة، وتحويل الرجال والنساء الى مجرد دمى ملونة مشغولة بالمرايا واعادة ترتيب الشعر والوجه في أقرب مراحيض عامة.
كل ذلك تم بوسائل غير مباشرة عبر مئات من محطات التلفزة، والكتب.
تشير الباحثة أن وكالة المخابرات الامريكية نظمت مرة مؤتمراً في باريس لحملة جائزة نوبل بلا دراية منهم وظنوا انهم يتخذون القرارات
في حين أن كل شيء كان يتم عبر ستار وكواليس.
تذهب الباحثة الى أبعد من ذلك في أن السي آي ايه نظمت مؤتمرا لحزب شيوعي بلا دراية منه، وتقول بالحرف:
” لو أن سكرتير الحزب علم اليوم باللعبة، لتململ في قبره”.
كان الاستهداف غير المباشر وعبر غطاء مموه من منظمات أمريكية وبريطانية تحت غطاء ” دعم حرية الثقافة وحقوق الانسان والادب”،
قد تمكنت من الايقاع بكبار الادباء أمثال:
آرثر ميلر، اندريه مالرو، ت.س. اليوت الشاعر الكبير،شارلي شابلن، البرتو مورافيا، والروائي الايطالي الشهير كالفينو، والمفكر هربرت ريد، ومارلون براندو وغيرهم الكثير.
ولم يسلم الادباء العرب من الوقوع في الفخ، تحت غطاء” دعم حرية الثقافة” حيث يشير جونسين ديفيز أشهر مترجمي العربية
كيف اقترح عليه جون هانت ـــ عميل مخابرات سري يعمل تحت واجهة منظمة حرية الثقافة ـــ برغبته في تأسيس مجلة عربية أدبية في بداية الستينات واسناد رئاسة تحريرها للشاعر يوسف الخال” مجلة شعر”،
لكن أدونيس اقترح بدلاً منه توفيق صائغ،
وكانت مجلة” حوار” التي توقفت بعد خمس سنوات من انكشاف الفضيحة،
وضجة تخوين عربية لم يسلم منها حتى الشاعر السياب الذي كان يكتب في المجلة بلا معرفة خلفياتها كالجميع.
مع مرور الوقت أخذت الافلام والاغاني الجادة الرصينة، والادب الملتزم بل حتى الاهتمامات اليومية بالتلاشي،
وسيطرت التفاهة على كل شيء وتسطيح الاهتمامات البشرية،
وكل ذلك تم في الخفاء ولم تسلم جامعات أمريكية مرموقة
من الوقوع في الفخ بما في ذلك جامعة هارفارد العريقة التي تم دعمها ماليا لاستحداث قسم الدراسات اللغوية الادبية التي تهتم بالادب والفن بحجة القيم الجمالية فقط وعزلها عن قضايا الانسان الكبرى والمصيرية،
وكان الاختراق فضيحة مدوية واهانة لتاريخ الجامعة.
فكيف الحال في عالمنا العربي وانسان مسطح وبلا اهتمامات جادة
مستعد لبيع كل شيء من نفسه بعد تدمير اقتصادي وسياسي ممنهج لسنوات، بعد أن صار جسده سلعة لا يملك غيرها للبيع،
ويخترع عناوين للتحايل الذاتي من أجل تهدئة الضمير، وتبرير خيانة الذات وكل القيم والمبادئ.
وصل الأمر الى تزوير روايات جورج أورويل في الطبعات الشعبية،
وخاصة روايته” مزرعة الحيوانات” ورواية” 1984″، من قبل المخابرات البريطانية،وفي الوقت نفسه دعم معارضي النظم العربية
على أنهم من مناضلي الديمقراطية وفي واقع الامر هم أدوات قادمة لمشاريع هيمنة.
على المستوى العربي نشهد اليوم سيطرة شبه كاملة
للرداءة والتفاهة في كل شيء، واختفت صورة السيدة أم كلثوم التي كانت تعصر المنديل واقفة كما تعصر قلبها لتحل محلها “الأغنية الافقية” لمطربات لا يعجبهن الوقوف للغناء،
ويفضلن الغناء في السرير بوضع مكشوف،
أو تزحف على السلالم شبه عارية،
وبدل عبد الحليم حافظ الذي كان ينزف دماً حقيقياً خلف الستارة،
حل محله عمرو دياب بصدر مكشوف وخلفه جوقة من العاريات،
ولم تعد صورة الموسيقار السنباطي وهو ينحني
على العود كما لو انه سيموت آخر اللحن، ليحل مكانه مهرج سيرك راقص على آلة الاكورديون يرقص كقرد على شجرة، أمام جمهور مبتهج وسعيد بهذه التفاهة.
على المستوى العراقي الاختراق اليوم واضح جداً وتم دعم منابر ومحطات تلفزة وصحفاً، وتمويل كتاباً ودعمهم عبر ستار لتركيزهم على أن كل شيء
في تقاليدنا لا يستحق الاحترام والبقاء،
وظلم لاقليات منتشر، والمنقذ هو الأمريكي.
لم تعد الكتابة تحتاج موهبة وكفاءة أكثر مما تحتاج الى أن يعزف الزمار اللحن المطلوب أمام شعب ذاهل من القتل والجريمة والسرقة المنظمة،
يعتقد أن هذه” الحداثة”،
هي البديل عن ثقافة وتاريخ وتقاليد وطنية لم يحصل منها الا الخراب،
بهذه الطرق تمت صناعة ” نموذج” العربي في كل شيء الى كائن مفرغ من الهوية ومسطح وغرائزي،لكي يكون الطريق مفتوحا لكل أنواع الهيمنة:
في المقابل يجري التنكيل وعزل وتهميش ما يسمى” أصحاب الرؤوس الحارة” من مثقفين وأدباء وطنيين وشيطنة صورهم في نظر
العامة عن طريق مأجورين ونصابين محليين يختارونهم عادة من قاع المجتمع،
وحثالات يتم رفعهم الى مستوى شخصيات ومواهب لتسويق المشروع.
نحن امام مشروع لاسقاط الانسان نفسه، أولاً،
وبعد ذلك تصبح كل الطرق مفتوحة للنهب والسيطرة، ثانياً وأخيراً.

اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock