قالب طين غير مكتمل…..بقلم محب خيري الجمال

عزيزتي ضوء،
اليوم استيقظتُ على صمتٍ يثقل الهواء،
على أقدامٍ تتلعثم بين ظلالها،
على ابتسامات تتساقط من شرفات الذاكرة بلا إنذار.
جلستُ على حافة النافذة، أحصي قطرات المطر وكأنها رموزك المفقودة،
أتساءل، ماذا فعلتِ هذا الصباح؟
هل وضعتِ أصابعك على حافة فنجان قهوة،
أم ركضتِ وراء شيءٍ يهرب منك كما يهرب الوقت مني؟
اليوم جمعتُ أنفاسي كما يجمع الغرقى أشلاءهم،
حاولتُ أن أشعل شمعة في غرفةٍ مغطاة بالغياب،
وحاولتُ أن أكتب لكِ،
لكن الكلمات تشبّعت بالدموع قبل أن تخرج من فمي.
كنتُ قالب طين غير مكتمل،
أحاول أن أشكل نفسي على مقاس هذا اليوم،
لكن يدي ترتجف، والطين يتفتت بين أصابعي.
عزيزتي ضوء،
هل شعرتِ اليوم بما شعرتُ به؟
هل صادفتِ وجهك في المرآة، وابتسم لكِ كما لو أنكِ تعرفينني؟
أم أن الصباح ابتلعك بلا إذن،
وأنتِ تمشين في المدينة كمن لا يعرف أنه يحب؟
تخيلتكِ في مارسيليا، عند مرفأ القديس شارل،
حيث البحر يبتلع كل شيء، كما يبتلعني شعوري بك،
وصوت البواخر يصطدم بالصخور،
كأن كل تصادم يذكرني بما ضاع مني منك،
وأنتِ تمشين بين الأزقة في لو بانير،
تجمعين رائحة السمك، رائحة الحياة، رائحة المدينة،
وأنا أراقبك من بعيد، قالب طين غير مكتمل،
يحاول أن يعرف كيف يكون بحرًا دون أن يغرق.
ثم أراكِ في ليون، على طول نهر الرون،
حيث الجسور القديمة تهمس بالقصص،
والأبنية العتيقة تتنفس مع كل خطوة لكِ،
وأنا أستمع، أبحث عن صوتك بين صدى المقهى،
وأفكر: هل الحب يكون دائمًا بهذه المدينة،
أم أنه يختبئ في زوايا لا تصلها عيوننا؟
وأحيانًا يكون خيالكِ في تولوز، عند الساحة الرئيسية كابيتول،
حيث الأبنية الوردية تتوهج تحت شمس الغروب،
والناس يمرون من حولك بلا أن يلاحظوا أنكِ تبحثين عن شيء مفقود،
وأنا هناك، قالب طين غير مكتمل،
أحاول أن أشبه الشمس المتسللة بين الأعمدة،
لكن يدي ترتجف والطين يتفتت.
وأراكِ في غرونوبل، بين جبال الألب،
حيث الثلوج البيضاء تتساقط على أسطح البيوت،
وأنتِ تمشين على ضفاف نهر إيزير،
تجمعين لحظات من الصمت كما يجمع البحر قناديله،
وأنا أراقبك، قالب طين غير مكتمل،
يحاول أن يشبه الثلج والجبال وكل ما لمستِه،
يحاول أن يصبح أنا قبل أن ينكسر.
ترى اللاجئين يتجمعون عند أطراف الممرات،
عيونهم تشبه أروقة الفقد،
وجوههم صدى لليأس الذي لا يغادر.
عزيزتي ضوء،
أشعر بكِ هناك،
تمشين بين الألم، بين أصوات تتخبط، بين أمل مكسور،
وربما تقولين في نفسك إن هذا العالم ليس لك،
لكن خطواتك فيه تروي قصة لا أحد يستمع إليها.
اليوم، حاولتُ أن أقطف الفرح من الهواء،
وجدته يختبئ بين شقوق الجدران،
يضحك عليّ،
كأن الحياة نفسها تتلذذ بإخفاقي.
قلتُ لنفسي: سأقف على قدميّ ولو لحظة واحدة،
لكن قدميّ غرقتا في الطين الذي صنعته يدي،
قالب طين غير مكتمل،
يحاول أن يصبح شيئًا قبل أن ينكسر.
وهنا، يا ضوء، بين كل مدينةٍ مررتِ بها، انفتح داخلي جرح المدن التي مرت بي:
تذكرتُ رأسي وهو يتمطّع بين عجلات النقل الثقيل في الإسكندرية،
كيف كنتُ أسير بمحاذاة الشاحنات التي تجرّ صراخها فوق الإسفلت،
وكأن رأسي كرةٌ من الصوف يدحرجونها بلا رحمة،
كل هزة كانت تقول لي:
أنت لست من هنا… ولا من هناك… أنت مجرد ضيف ثقيل على الهواء.
وتذكرتُ كيف تركتُ لحم القصائد في سوهاج،
على أرصفة لا تعرف الشعر ولا تعرفني،
حيث كنتُ أكتب كمن يسلخ جلده بيده،
وأتركه يجف على الأسوار،
كي تفهم المدينة أنني حاولتُ أن أكون إنسانًا
قبل أن أتحول إلى قصيدةٍ تأكلها الريح.
وتذكرتُ كيف ضاع عمري في السويس،
هناك حيث تتقاتل السفن على الممرّ،
وتتقاتل السنوات على صدري،
كنتُ أرى الوقت يمشي بخطواتٍ ثقيلة،
وأسمع عمري وهو يتسرب من بين أصابعي
كما يتسرب الزيت من باخرةٍ مثقوبة،
وأقف على الضفة أضحك،
ضحكة تشبه ضحكة رجلٍ يعرف أنه خسر الجولة قبل أن تبدأ.
عزيزتي ضوء،
أخبريني، كيف كان صباحك؟
هل كنتِ سعيدة؟
هل اقتربتِ من نفسك،
أم أن العالم قد سرقك كما سرق مني أنفاسي؟
اليوم، كنتُ أنا وأنا وحدي،
أحاول أن أكتب لك نصًا لا يعرف الصمت،
يحمل في طياته ضحكة الغياب،
وحزن الفقد،
وحلمًا يغمز بإبرة العتمة.
اليوم… كنتُ قالب طين غير مكتمل،
يحاول أن يجدك في كل شيء،
حتى في الصباح، وحتى في الظلال، وحتى فيك أنت،
وفي شوارع باريس، مارسيليا، ليون، تولوز، غرونوبل،
وفي الإسكندرية وسوهاج والسويس، وتراتيل امرأة نائحة في المنصورة،
حيث يمشي من يمشي بلا وطن،
وكأن كل خطوةٍ منكِ هي ثقبٌ في جسد المدينة،
يثقبها وجعًا لا يلتئم.









