السفير أحمد مجاهد يكتب :كيف يمكننا أن نفهم العملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا؟

تقدم نظرية العلاقات الدولية أطرا تفسيرية متعددة لتفسير سلوك القوى العظمى والكبرى، والمخاطر الكامنة فى تحولات النظام الدولى لا سيما أداء الدولة القائدة فى هذا النظام.
“فخ ثيوسيديديس” هو الإطار التفسيرى القائل إن إحدى القوى الصاعدة ستتحدى حتما هيمنة القوة المهيمنة القائمة، وإن خشية الأخيرة من هذا الاحتمال قد يطلق تفاعلات تنافسية تؤدى فى النهاية إلى المواجهة، وربما إلى الحرب العالمية.
أما “فخ كيندلبرجر” (الذى صاغه عالم السياسة المعروف جوزيف ناى، استنادا إلى أعمال الاقتصادى تشارلز كيندلبرجر)، فيعزو إخفاق النظام الدولى إلى فراغ القيادة الدولية وقصور القوة العظمى عن الوفاء بمسؤوليتها الدولية وتوفير “السلع العامة العالمية” التى من أبرزها: تنظيم القيم، وضبط الإيقاعات، وتنظيم الخلافات، ومراقبة ودعم الاستقرار، وتوفير المرجعية للدول وللنظام الدولى، وغير ذلك من المهام والأهداف.
فى تقديرى أن العملية الأمريكية لاختطاف رئيس فنزويلا ووضع اليد على مواردها تقع فى المساحة المشتركة بين “الفخين”، أى إن أمريكا تنظر بعين القلق البالغ إلى الصعود الصينى، وإنها بدأت بالفعل فى تبنى سلوكيات القطب -الذى ما زال وحده فى المقدمة وكبيرا- ولكنه قطب خائف متراجع بسرعة يتبنى سياسات عدائية وتحجيمية مباشرة وغير مباشرة فى مختلف أنحاء العالم ويكل الوسائل الممكنة ضد القطب الصاعد، أى الصين.
بهذا المعنى، فإن تحركات ترامب وإعادة التموضع المتسارع الذى بدا ظاهرا فى استراتيجية الأمن القومى الأخيرة، وكشف عن نفسه من جديد وبأكبر قدر ممكن من الفجاجة فى عملية اليوم لاختطاف رئيس فنزويلا، هدفه وضع اليد على موارد بلاده وعكس عملية انتقالها الكامل نحو النفوذ الصينى.
بهذا المعنى ووفقا لهذا للإطار التفسيرى “فخ ثيوسيديدس”، فإن عملية فنزويلا هى تعبير عن فائض ضعف وتراجع أمريكى أكثر منه فائض قوة وسيطرة.
الإطار التفسيرى الثانى -فخ كيندلبرجر- يشير بوضوح إلى عدم تمكن الولايات المتحدة من القيام بأعباء مسؤولياتها الدولية بما يحفظ هيبة القيادة، فضلا عن عدم قدرتها على ضبط الحلفاء أو مكافأتهم أو لجم الخصوم ومعاقبتهم بالقدر المطلوب، ولا على تسوية المشاكل فى التوقيت الملائم.
كما يظهر من متابعة السلوك الأمريكى -لا سيما منذ اعتلاء ترامب سدة الحكم- تكرار واستسهال اللجوء إلى عنصر القسر والإكراه وزيادة معدل الضغوط الابتزازية “للحصول” على المواقف والموارد بقدر لا يتسق إلا مع فكرة كون القيادة الامبراطورية فى مقتبل عمرها أو فى عهود ضعفها.
فالإمبراطوريات تلجأ بالقدر الأكبر فى سنوات هيمنتها إلى فرض الهيبة والسيطرة العالمية من خلال نشر قيمها القوية ونمط حياتها الجذاب، وإدارة العالم ومناطقه الإقليمية من خلال منظومة قوانين وقيم تضبط مجريات الأمور لصالح مصلحة القوة العظمى وحلفائها، وبسط السطوة وبأسلوب “اللبيب بالإشارةِ يفهمُ”، وأحيانا من خلال وكلاء دولين أو إقليميين، أو حتى عبر اللجوء إلى أدوات سرية أو استخدام العقوبات الانتقائية، ويتراجع استخدام القوة العظمى للقوة العارية إلا فى حالات محدودة وعند الاقتضاء فحسب.
أيضا، من مؤشرات هذا الوضع خلال الأعوام الأخيرة عدم قدرة إدارة ترامب على حسم الملفات الإقليمية المتناثرة حول العالم، أو منع نشوب النزاعات والضربات المسلحة بين حليفين من حلفائها الإقليميين، أو نجاحه فى فرض اتفاقات سلام لكنها هشة للغاية ولا تنبئ بالاستمرارية. وربما كان الاستثناء الوحيد -الذى ربما يؤكد هذا التحليل فى المستقبل- هو النجاح فى فرض إيقاف حرب العامين الإسرائيلية ضد غزة، وحتى هذا الملف له خصوصياته التى لا يمكن أن يقاس عليها، كما إن واشنطن لم تتمكن حتى الآن من فرض العبور بالشروط الأمريكية إلى المرحلة الثانية من اتفاق السلام فى غزة.
قياسا على ما تقدم، من المتوقع أن يواصل الرئيس الأمريكى استخدام القوة العسكرية الفائقة لفرض الإرادة الأمريكية -وأولى المرشحين القادمين هى إيران- وأن يستمر فى نثر مفاجآته الاستراتيجية واستخدام القسر فى مختلف أنحاء العالم (وفى الداخل الأمريكى). لكن الناتج سيكون على الأرجح المزيد من الاضطراب لا الاستقرار، وهو ما يؤيد فرضية التراجع المتسارع النسبى للقوة العظمى وليس العكس.
هذا الوضع يمنح مساحات لفرص للتحرك لدى عدد من الدول الوسطى فى النظام الدولى -أى الكبرى على الصعيد الإقليمى- لتسوية بعض الأوضاع الإقليمية لصالحها بالقوة، وبما لا يتناقض مع -أو لا يثير غضب- القوة الكبرى المتراجعة نسبيا ولكن الباسطة عضلاتها ظاهريا. ووربما يأخذ صانعو القرار فى هذه الدول بعين الاعتبار هذه الفرصة السانحة.









