حمزه الحسن يكتب : لا أحد يسأل، لا أحد يجيب

كل النظم القمعية تخلق مسوخاً Monstrosity وتنزع من الفرد انسانيته وتحوله الى وحش بشري بقناع. لا يتعاطف مع أحد. لا يشعر بألم أحد. لا يتوجع . لا يندم من فعل لأن تراكم المشاعر السلبية فيه ضد نفسه وضد الاخرين يبرر أفعال الكراهية والانتقام.
لكن ليس في كل الأحوال تحوّل النظم الفرد الى مسخ بل هناك عوامل شخصية وبيئية تحوله الى مسخ يحافظ على المظاهر الخارجية سليمة من خلال الاستعراض والتقمص والتمثيل لكنه من الداخل مسخ:
عشت تجربة طويلة مع المنفيين او الهاربين من نظام قمعي ووجدت ان بعضهم مسخ ذاتي لم تنفع كل ظروف الحياة الجديدة في احداث اي تغيير ايجابي فيه لان البنية العضوية للشخصية تحطمت بشكل نهائي لذلك لا يمكن دائما رمي المسؤولية على نظام بل هناك المسؤولية الشخصية لكن هؤلاء المسوخ يطرحون أنفسهم كضحية ظروف مع انها لم تعد موجودة.
توجد مسوخية داخلية عكس حالة غريغور سامسا في رواية كافكا ” المسخ” الذي مسخ من الخارج كحشرة كبيرة لكنه حافظ على الصفاء الذهني الداخلي.
الروائي العراقي فؤاد التكرلي توقع ولادة المسخ في رواية” اللاسؤال واللاجواب” ـــــــــــــــ صدرت عام 2007 ـــــــــــــــ لكن مسوخيته روحية ونفسية وحافظ على المظاهر عكس غريغور سامسا الذي مسخ من الخارج كحشرة كبيرة. كلاهما زهدي وغريغور افاقا في الصباح واكتشفا انهما مسوخ. كلاهما كان يريد الذهاب للعمل.
من دهاء التكرلي لم يشرح سبب تحول شخصية عبد الستار زهدي الى مسخ يصرخ في النوم كفأر ـــــــــــــــــ كما فعل في روايته: الرجع البعيد ـــــــــــــــــــ لكنه وضعه في مناخ ينتج المسخ وهذا هو الذكاء الروائي: ليس محاكمة أشخاص بل شرح الظروف التي تخلق الجريمة أو الحدث أو ما يعرف” مناخ الخطأ أو الجريمة” لأنها لا تحدث في فراغ بل داخل شبكة ظروف هائلة متداخلة والأحكام الفورية عقلية ايديولوجية تبسط أعمق الظواهر.
مسخ كافكا كان مهمشا من العائلة رغم انه مثل عبد الستار يعمل لاعالتها لكن مسخ التكرلي تحول بسبب ظروف خارجية كالحصار الاقتصادي زمن الرواية. مسخ كافكا يشعر بالاغتراب الروحي في حين مسخ التكرلي لا يشعر بالاغتراب لانه منسجم مع الأسرة والمجتمع لكنه يشعر بالدونية بسبب ظروف خارجية وقد تكون أحد أشكال الاغتراب.
مسخ كافكا كشف موقف العائلة منه لأنه لم يعد قادراً على العمل. أي ان انسانيته لا توجد فيه بل في قيمته الاقتصادية. أما مسخ التكرلي الذي يعمل في الليل كسائق أجرة وفي النهار معلم لا يفقد قيمته الانسانية بسبب ظروف اقتصادية قاسية بل بسبب أوضاع سياسية واجتماعية لا يصرح بها لكنه يعبر عنها بأفعال وهذا هو فن الحكاية.
مسخ كافكا لا يصرخ ضد النظام الذي مسخه بصوت مرتفع بل بصمت لكن مسخ التكرلي يصرخ وهو يسقط على الأرض ” كدبيبة” كما في الوصف لكن زوجته لا تسمعه رغم انها جواره لان المسافة صارت بين مسخ وبشر .
من يسمع صرخات الفأر؟ وصف التكرلي لعبد الستار زهدي بالفأر مقصود لأن الفأر أكثر احساساً بالحصار في صندوق زجاجي مغلق. يقضي الوقت في البحث عن منفذ او ثغرة كحالة الانسان المقهور لكن الصندوق محكم وفي الحقيقة ان المشكلة ليست في الصندوق بل في رؤيته الخاطئة للحياة التي جعلته في موقف يفكر ان الحياة مغلقة ولا ثغرة. هذه واحدة من أخطر نتائج القمع الطويل من سلطة أو من جماعة أو من فرد مسؤول.
في ساعات التحولات العنيفة العاصفة للأنظمة الدكتاتورية يلوح الناس في الظاهر وقد تغيروا أو انقلبوا على ما كانوا عليه وهذا تفسير مضحك لأن الانسان لا يتغير بين لحظة وأخرى بل ما يلوح كتغيير هي أقنعة سقطت ومخلوقات متنكرة مختفية في سراديب نفسية وعندما رفع المكبس فاحت الجيفة.
مسوخية الداخل والذات لعبد الستار مع الحفاظ على المظاهر الخارجية سليمة هي الأخطر والاصعب على الاكتشاف، حين تتفسخ أحلام وآمال وأوهام وقناعات وأفكار ومشاعر دون التصريح بها خوفاً أو تحاشياً،
حتى لو ظلت المظاهر الخارجية سليمة من خلال الأقنعة وعندها يتحول الشخص الى جيفة متجولة أنيقة في الظاهر.
في ظروف الاغتراب النفسي ــــــ وليس الغربة المكانية ــــ ينمسخ الفرد دون أن يدري، ينفصل عن ذاته وعن محيطه وعن واقعه العام،
وهو يبني عالماً داخلياً خاصاً عن طريق الاحلام والاوهام والاستيهامات
والتخيلات التي تصل الى الاوهام المرضية حتى تتعفن وتتوقف وتعفن صاحبها، لكن هذا المسخ الأنيق في الظاهر،
يحافظ على المظاهر الخارجية والواجهة والاقنعة، ويعيش مسوخيته بسرية وصمت ويتمتع بها كبديل عن واقع بل يختفي الواقع الحقيقي،
وفي واقع ضاج بالمسوخ لا أحد يكتشف الآخر كغراب في حقل للغربان.
يصعب على المسخ اكتشاف نفسه ويصعب عليه اكتشاف المسوخ حوله لان المصيبة حلت بالجميع،
ويصعب على الآخرين اكتشافه إلا من معايير مختلفة وعين صافية وعقل غير جريح.
المسخ ليست عنده صورة ذاتية عن نفسه لأنه بلا ذات حقيقية لذلك يخترع شخصية ولغة وعلاقة لكل شخص ومناسبة ويمثل دوراً أكثر مما يعيش حياةً، لكنه يمثل في مسرح كبير ويضيع فيه من كثرة الممثلين وتبادل الأدوار والأقنعة.
مسخ الذات مشغول بطلي وصبغ الواجهة، الجثة المتنقلة، القبر، القناع،
وغير معني بالداخل المتعفن إما عن عدم إدراك لأن هذا الصنف
يفتقر لملكة وقابلية التحديق والتبصر والغوص في الذات لان العقل محطم، لا يمكن الغوص في الذات بقناع، لا يحدث التواصل مع رقم هاتف لا وجود له ومع ذات مزيفة،
أو لأن الرائحة سرية والتفسخ عام ويضيع الابتر بين البتران وما من شاف وما من شم وفي كل الاحوال لن يرى أو يشم أحد لتعب حاسة الشم والادمان على ” العادية”.
المسخ الانيق يتفسخ من الداخل دون أن يدري بصرف النظر عن عوائد الاحلام والاوهام التي ستتوقف في مرحلة ما حين يكتشف الدماغ يوما
ان هذه الحيل النفسية بلا تحقيق وفي دورة مكررة واستهلاك نفسي وعصبي وجسدي.
الروائي فؤاد التكرلي قد جسد المسوخية الداخلية في روايته” اللاسؤال واللاجواب”، ورغم تأثير كافكا عليه في رواية” المسخ” لكنه التأثير الابداعي:
عبد الستار حميد زهدي الشخصية الرئيسة، أفاق في الصباح وقد وجد نفسه يصرخ كفأر، والفأر أكثر إحساساً بالحصار،
لكن زهدي، عكس شخصية غريغور سامسا الكافكوية الذي مسخ من الخارج، مُسخ زهدي من الداخل وظلت المظاهر سليمة وهو يعمل ويتجول بين الناس دون أن يعرف أحد مسوخيته،
واذا كان غريغور مات وانتهى في حاوية، لكن عبد الستار المحزم بكل أسماء الأمان والتقوى ـــــــ عبد الستار ـــــــ التي لم تشفع له غاص في غيبوبة أبدية ولم يخرج منها: هو المسخ والحاوية.
لكن المسخ تطور بعد فؤاد التكرلي ولم يعد يفيق من النوم ليجد نفسه فأراً، فقرر أن ينتقم من ذاته أولاً ومن محيطه ثانياً، لكنه بحاجة أيضاً الى قناع ودخل في منظمة مسلحة أو صار جزءاً من سلطة أو أسس صورة خارجية اجتماعية مقبولة ودخل في علاقات وذاب في مناخ مناسب:
من ولادة المسخ الى” ولادة الذئب” الذي يلتهم الجميع بالتقسيط بعناوين مختلفة وكما قال عبد الرحمن منيف في شرق المتوسط:
” ستظل تعوي في السراديب أو تموت في المزابل”.
واحدة من أقذر العادات البشرية أن الانسان يعتاد ويتأقلم ولو في حفرة عفنة ويشرع مع الوقت يفكر في عمق الحفرة لا كيف يخرج ولو تمكن لزينها بالصور والاوهام ، ومع الوقت ينسى الحفرة ويعتقد ان هذا هو الشكل الوحيد للحياة وهو شكل من أشكال الموت. حسب جيل دولوز فيلسوف ما بعد الحداثة:” القناع إنتحار”. انه موت آخر وتنازل عن الحياة الحقيقية.
تم تخفيض حياته وأحلامه وحيونته الى مستوى غرائزي وصار كل ما يحتاجه هو الماء والطعام والمأوى الآمن وتلبية غرائزه وتنازل عن وجوده البشري وعن الحرية وعن المصير وهو شرف وكرامة الانسان، وعندما يفقد الانسان السيطرة على مصيره يتحول الى شيء بلا معنى ولا وجود ولا حياة، حتى لو كانت الحبال حول الرقبة طويلة لكي يعيش الأوهام،
وكل ما يحلم به هو النجاة كطريدة هاربة.
عندما يتحول الانسان الى شيء ويفقد السيطرة على مصيره، ويفقد القدرة على الاختيار أو طرح الأسئلة عن مصيره، يصبح لا معنى للسؤال ولا معنى للجواب ومن هنا العنوان: “اللاسؤال واللاجواب”.
الشيء لا يطرح أسئلة ولو طرح لا أحد يجيب في شوارع الضجيج لكنها خالية من البشر.









