سواري كسرى على ذراعي أعرابي

في أيام الشدة التي أحاطت بمكة، حين أجمع كفار قريش على قتل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خرج الرسول خفية مع صاحبه الوفي أبي بكر الصديق رضي الله عنه، متجهين نحو المدينة المنورة، يحملان في قلبهما أمل الإسلام الجديد. انتشرت عيون #قريش في كل طريق وشعب، يفتشون الصحراء بحثاً عن أثر الهاربين، لكن الله كان يحمي نبيه، فلم يقعوا على شيء.
يئست قريش، فأعلنت جائزة عظيمة: مئة ناقة حمراء لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً!
في ذلك الوقت، كان سراقة بن مالك، فارس شجاع من بني مدلج، جالساً بين قومه قرب #مكة. دخل عليهم رجل يلهث، يخبرهم بالجائزة الكبيرة. ما إن سمع سراقة بتلك النوق المئة حتى لمع الطمع في عينيه، لكنه كان ذكياً، فأمسك لسانه ولم يبدِ حماسه.
ثم جاء رجل آخر، يقول: “لقد مرّ بي الآن ثلاثة رجال على الساحل، وأظنهم محمداً وأبا بكر ودليلهما!”
ابتسم #سراقة بخبث وقال: “لا، إنهم بنو فلان يبحثون عن ناقة ضائعة!”، يريد أن يصرف الجميع عن الطريدة حتى ينفرد بها وحده.
انتظر قليلاً حتى شغل القوم أنفسهم بحديث آخر، ثم انسلّ خفية، عاد إلى بيته، لبس درعه، تقلّد سيفه، ركب فرسه الأصيلة، وانطلق كالصاعقة نحو الساحل، يتبع الأثر البعيد.
اقترب سراقة، ورأى من بعيد ثلاثة رجال يسيرون بهدوء. مدّ يده إلى قوسه ليرمي، لكن فرسه عثرت فجأة، وسقط سراقة على الأرض! نهض متعجباً، وقال في نفسه: “علامة سيئة”، لكنه تغلب على تردده طمعه في النوق، فركب من جديد.
اقترب أكثر، فإذا بقوائم فرسه تغوص في الرمال الصلبة كأنها طين! حاول دفعها، فغاصت أعمق. رفع سراقة رأسه مذعوراً، ورأى النبي وصاحبه يلتفتان إليه بهدوء.
نادى بصوت مرتجف: “يا محمد! ادعُ لي ربك أن ينجي فرسي، وأنا أكف عنكما وأعود!”
دعا النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلقت قوائم الفرس كأن شيئاً لم يكن. لكن الطمع عاد يغلي في قلب سراقة، فدفع فرسه نحو الثلاثة مرة أخرى… وغاصت الفرس أعمق من قبل!
هذه المرة استغاث بصوت عالٍ: “يا محمد! خذ زادي ومتاعي وسلاحي، وأقسم بالله أن أردّ عنكما كل من يتبعكما!”
قال النبي الكريم: “لا حاجة لنا بزادك، فقط اكتم خبرنا وردّ الناس عنا.”
دعا له الرسول مرة ثانية، فخرجت الفرس سليمة. وقف سراقة أمامهما، وقال: “والله لا يأتيكما مني إلا خير.”
ابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: “ما الذي تريده منا يا سراقة؟”
أجاب سراقة بصراحة: “أعلم أن أمرك سيعلُ، فإذا ملكت فاكرمني، واكتب لي كتاب أمان.”
أمر النبي عامر بن فهيرة أن يكتب له رقعة جلدية بذلك العهد.
ولما همّ سراقة بالرحيل، ناداه النبي ببشرى عجيبة: “كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟”
تعجب سراقة وقال: “#كسرى بن هرمز؟ ملك الفرس؟”
قال الرسول بثقة: “نعم، كسرى بن هرمز.”
عاد سراقة إلى قومه، ولقي جموعاً من قريش تبحث عن النبي، فقال لهم: “ارجعوا، فقد فتشت الأرض كلها ولم أجد أثراً!”، وكتم السر حتى وصل النبي وصاحبه المدينة سالمين.
مرت السنون، وفتح الله مكة، ثم غزت حنين، وعندما عاد النبي من الطائف، جاء سراقة في الجعرانة، يحمل كتابه القديم، وبايع النبي وأسلم بين يديه. قال الرسول: “يوم وفاء وبر، ادنه، فلا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له.”
ودارت الأيام، وتولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة. فتح المسلمون بلاد فارس، وانهزمت جيوش كسرى، ووصلت الغنائم إلى المدينة.
دعا عمر سراقة بن مالك، وألبسه قميص كسرى وسراويله وتاجه وسيفه، وقلّده سواري كسرى الذهبيين أمام المسلمين!
هتف الناس: “الله أكبر! الله أكبر! صدق الله ورسوله!”
وقال عمر بصوت جهوري: “الحمد لله الذي سلبها كسرى بن هرمز الذي كان يزعم أنه رب الناس، وألبسها سراقة بن مالك، أعرابياً من بني مدلج!”
ثم أركبوه فرساً، وطاف به شوارع المدينة، والمسلمون يحيطون به مكبرين، وسراقة يردد كلمات الفاروق متهللاً فرحاً.
هكذا تحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، وصار الطامع في مئة ناقة يلبس كنوز أعظم ملك على الأرض، بفضل وفاء الرسول وصدق وعده.









