من هامش المألوف إلى متن المأساة… قراءة في رواية “فضيحة الحب الواحدة بعد الألف”…..بقلم محمد سعيد المخلافي

بعد النجاح الواسع الذي حصدته رواية “بلا عنوان” للكاتب (د. مجدي صالح) وما صاحبها من اهتمام نقدي -أهلها لتكون محط دراسات أكاديمية- تعود الرواية إلى الواجهة بطبعة محدثة وعنوان جديد، “فضيحة الحب الواحدة بعد الألف”.
هذا التحول “العنواني” لا أراه تجديدا لذاته أو حتى متعلقا بجوهر التسويق، وإنما تصويبا للنظر نحو العمل من زاوية أكثر جرأة في التعبير، وأكثر تماسا مع البعد السيكولوجي الذي شكل قلب الرواية في الحقيقة.
ما من تغيير في موضوع الرواية، غير أن الغلاف الجديد والعنوان المشحون بالإشارات يعيدان توجيه البوصلة نحو إيقاع آخر للحدث والأشخاص، من شأنه ترتيب الأولويات، ومنح التفاصيل صوتا أعلى في النتيجة السردية. كما يُظهر الحب-بوصفه مركز الثقل السردي-من غير أن يستحضر الفروقات الطبقية كحاجز مركزي يرتد عنه الحب إلى خانة المستحيل. فتحملك القراءة عندها إلى التركيز على البواعث الأكثر مواراة في النفس البشرية، وتشققها البيني، ومتاهاتها، حيثما تختلط الرغبة بالرهبة، والأمل باللايقين، ويضيع الحب فيها مُثقلا بالتوقعات والصور الذاتية المستنسخة، ومُطاردا من شبكة غير مرئية من المزاعم التي تنصِب الحدود بين الممكن والمستبعد، وبين القبول والرفض.
الصعوبات تتولد من الداخل، من تلك النواحي التي لا يصلها الخطاب التقويمي بسهولة، إلا حين يتأخر الوقت. وذلك في مشهد كلي لا يُقّدم في نسخة مثالية، أو عبر تتابعات ميلودرامية. فقط تجد نفسك أمام “باسل”، الشاب الذي يعمل في مهنة بسيطة، المرهق بتوجهه الصادق الباحث عن اعتراف-لا عن استثناء- وعن معنى في الحب يتجاوز الشروط المادية والقيود المفروضة بسبب المركز الاجتماعي. إنه أحد تلك الشخصيات التي نعرفها جيدا في الأدب، والتي تثير فينا تعاطفا فوريا؛ لأنه يجسد الإنسان في أنقى حالاته مؤمنا بالحب والعدل، وبحقه في الحياة الكريمة.
أما “سعاد”، ابنة الطبقة الإقطاعية -إلى حد ما- فهي تعاني من انقسام لا يهدأ تحت وطأة الصراع بين ما تتوق إليه وما تلزمها به صورة اجتماعية مليئة بالتناقضات، وذلك دون أن تثور تماما أو تستسلم تماما. وهذا ما يحسب للرواية في تشكيل هذه الشخصية على نحو متمايز عن الصورة الشائعة للمرأة المحاطة بإطار اجتماعي صارم لا يمنح مساحة للممانعة، ويجعل علاقاتها أقرب إلى مواقف مشروطة، وليست قرارات قابلة للاستقرار سلبا أو إيجابا.
لا توجد في الرواية صدامات صارخة، وإنما اختلاجات ناعمة تتكثف بين السطور لعلاقة حب تتشكل ببطء، كأنها تمشي على حافة هاوية، وتنظر إلى الحب من زوايا ما كنت لتراه منها، أو تتبين ملامحه ضمن تضاريس معقدة من الخوف والرغبة والقلق والانتظار. كما تُبرز بعض الوضعيات المتأزمة التي تشتد مع الوقت بلا وعود كبرى، إلى أن تبلغ الرواية نهايتها التي تصل إليها بغير انحراف جذري عن خط السير الكلاسيكي المتوقع لمثل هذه الحبكة (انفصال الحبيبين قسرا، انتحار أحدهما، أو مغادرة أحدهما المكان إلى الأبد…). غير أنها تنجح في الحفاظ على تأثيرها الشعوري بسبب فجائية المسلك الذي قاد إليها.
يُقدم النص شخصياته من دون زينة اصطلاحية لا بطولة فائقة، ولا مظلومية معلنة. “باسل” ليس صوت احتجاج، ولا نموذج انكسار؛ لا شيء سوى شخصية ترى في الحب نافذة للنور والهواء والكرامة. أما “سعاد” فتمثل مأزقا أكثر التباسا، فهي لا تملك رفاهية الرفض، ولا طمأنينة الانصياع، وتستمر على هذا الحال كأزمة تتغذى من التأويلات والتنبؤات. ح
اللغة التي تعتمدها الرواية واضحة ومنضبطة، لا تنجرف إلى الزخرفة اللفظية، ولا تقع في التقريرية المفرطة. كل جملة تبدو محسوبة، تحمل إحساسا صادقا، وتفتح مسارا لإعمال النظر. الحوار يتقاطع مع السرد ليصنع إيقاعا ذاتيا خاصا، فنجد الشخصيات تنطق بأفكارها التي تذيع دوافعها عن غير قصد منها. بينما ينسجم الإيقاع العام للنص مع طبيعته المتقصية، لا استعجال في الأحداث، ولا تباطؤ يخنق المتابعة. كل شيء يتقدم بروية تليق بما هو باطني وعميق. المشاهد تخلو من الإثارة الجاهزة، وتستدعي قارئا يبحث عن الحقيقة المختبئة خلف التصرفات، ولا يطلب أبدا مفاجآت، أو بيانا بأن ما يعيق الحب نظام صريح أو حالة يمكن تعميمها.
أو ان يجد في الرواية مواعظ أو تصنيفات تعبر عن رؤيتها الاجتماعية، أو إظهار المجتمع عبر علامات مميزة أو تصريحا بالأعراف. حيث يتجلى كل ذلك من خلال الانعكاسات الفردية ويُلمس في الحذر والخجل، وفي التردد والإصرار معا.
ومن هنا، أرى أن اختيار عنوان “الفضيحة الواحدة بعد الألف” بدا موفقا من جانب آخر؛ لكونه يوحي بأن الحب حين لا يُعلن بقوة، وينساب خافتا خشية أن يطرد من سياقٍ قاسٍ -لا يعترف أصلا بالحب بوصفه لدونة شخصية-، يوصم بطابع العار والفضيحة، ويصبح مرشحا للرجم بتهمة الخروج على النظام الاجتماعي. هناك حيث تكمن “الفضائح” المتواصلة في التصنيف المشوش لما يُعد خروجا على هذا النظام وما لا يُعد. وهو ملخص الرسالة الخلّاقة في صميمها، وفق مجرى التجربة -غير الغريبة- التي يخوضها بطلا الرواية، وإن كانت مشاعرهما محل محاكمات ضمنية لا تنتهي حتى بتلك النهاية المأساوية التي أرى ضرورتها لكي تحدث الرواية صدمتها الفلسفية؛ فكل ما فعله بطل الرواية لتغيير واقعه سقط أمام حدث عبثي لا يُراعي الأحلام ولا الجهود ولا حسن النوايا. وهنا تكتمل فرادة الحبكة الفرعية، حين لا يكون الحب كافيا، ولا السعي مجديا، ولا العدالة حاضرة. وما بدا ضروريا كذلك لنقل هذه القصة من مجرد أحداث حب مستحيل إلى شفرة خاصة بجيلٍ يحاول بناء ذاته وسط موروث اجتماعي عنيف ومضطرب، ويُجبر على مواجهة مصائر لا تصنعها إرادته. إنها مرآة لحالات كثيرة تجهض فيها الآمال بسبب اعتبارات لا علاقة لها بشيء سوى بماضٍ لم يُدفن، وحاضرٍ لا يهتم، وجهلٍ لا يُفارِق.
كما يسمح لك -وهو الأهم-أن تنحو ببصرك نحو تلك النهاية باعتبارها رمزا لموت “الحلم العربي” في ظل الأزمات المتعددة.
لكن ما يمنح الرواية تفردها لا يقتصر على ذلك وحسب، بل على طريقة التناول أيضا. فالشخصيات ليست مستحدثة، والحكاية لا تحمل انقلابات حادة، غير أن الكيفية التي يعاد بها سرد الاعتيادي تجعل من النص منصة لإعادة التفكير فيه، وتتحول القراءة إلى مسبار يختبر عمقه غير المنظور.
لا تبحث الرواية عن خلاص، ولا تقترح أجوبة جاهزة. ومنذ اللحظة الأولى للحب، تدرك أن ما يجمع بين باسل وسعاد رهان وجداني يضعهما في مواجهة مباشرة مع ما يحيط بهما من نُظّم متشظية.
إلا أنك حين تنهي رحلتك مع النص، تشعر بأن ما قرأته هو دعوة صامتة إلى تأمل تلك القدرة على تحويل العادي إلى استثناء، والدارج إلى مادة مكثفة للتساؤل، والانتباه إلى أن الحكاية التي سمعناها للمرة الواحدة بعد الألف، هي من أكثر الحكايات صدقا وكشفا لما يخفيه المألوف خلف ظهره من مشكلاتٍ ومآسٍ وفضائح حقيقية بلا عنوان.









