د. لبنى مرتضى تكتب :الأطرالسياسية الإعلامية والاتجاهات المؤثرة ( صراع المصطلحات)

يتعلق صراع المصطلحات في الأطر السياسية الإعلامية بتحديد المفاهيم الأساسية، مثل “السياسات الإعلامية” و”التأثير” و”الاتجاهات”، والتي يختلف الباحثون في تعريفها وفقاً للمنظورات النظرية والسياقات السياسية والاجتماعية. هذا الاختلاف ليس أكاديمياً فحسب، بل يؤثر بشكل مباشر على فهم دور الإعلام في المجتمع وصناعة القرار السياسي.
فيما يلي استعراض للعلاقة بين الأطر السياسية الإعلامية والاتجاهات المؤثرة، مع التركيز على إشكالية المصطلحات:
الإطار السياسي للإعلام والصراع المفاهيمي
– الأطر والمصطلحات المحورية:
– السياسات الإعلامية: موضوع خلافي، يتشابك مع الرأي العام والأنظمة الإعلامية والاجتماعية السائدة. يستخدم مصطلحاً بديلاً أو مكملاً أحياناً مثل “السياسة الاتصالية”.
-الإعلام السياسي: توجهات تؤثر إيجاباً أو سلباً في قضايا كالمصالحة الوطنية، وغالباً ما تنقسم بين خطاب رسمي وآخر خاص ومنحاز.
-تأثير الإعلام: مفهوم تطور من نموذج “الحقنة تحت الجلد” (تأثير قوي مباشر) إلى نماذج أكثر تعقيداً مثل “وضع الأجندة” (التأثير على ما يفكر فيه الناس).
-الاتجاهات: حالة تهيؤ نفسي توجّه استجابات الفرد، تتكون عبر مراحل (إدراك، ميل، ثبوت)، وتصنف من حيث القوة والإيجابية والسلبية.
-المحددات الرئيسية للسياسات الإعلامية:
– طبيعة النظام السياسي: تحديد هوية المؤسسة الإعلامية (رسمية، مستقلة، موجهة) ومستوى الحرية والرقابة فيها.
– الأطر النظرية المتنازع عليها: تفسير وتقييم العلاقة بين الإعلام والسلطة والمجتمع بشكل مختلف.
-التطور التكنولوجي والبيئة الجديدة: ظهور الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، ما فرض تحديات جديدة في المصداقية والرقابة.
– أنماط العلاقة مع السلطة:
– الإعلام الموجه (التبعية): أداة لتبرير القرار السياسي وتوجيه الرأي العام ضمن أجندة محددة.
– الإعلام المستقل أو شبه المستقل: يحاول لعب دور رقابي ويواجه ضغوطاً سياسية، كما في حالة قناة الجزيرة التي وصفت بـ”إعلام الكشف”.
– الإعلام في الأنظمة الديمقراطية: يفترض أن يكون جسراً بين صنّاع القرار والجمهور، مع إمكانية التأثير في مراحل صنع القرار.
الاتجاهات الحديثة المؤثرة في المشهد:
يُشكّل تطور التكنولوجيا والتغيرات المجتمعية عدة اتجاهات بحثية ومهنية حديثة تحدد عمل الإعلام اليوم:
– التأثير المتعدد الأبعاد: لم يعد قياس التأثير مقتصراً على مدى الوصول أو التفاعل، بل يشمل مستويات متعددة (معرفة الأفراد، المناقشة العامة، التغيير السياسي أو المادي)، وقد يتضمن عواقب سلبية على الصحفيين أنفسهم.
– التكنولوجيا وإعادة التشكيل: اتجاهات مثل تعزيز سياسات الحوكمة على المنصات بعد فضائح البيانات، ورواج تقنيات الواقع المعزز، والتركيز على احتياجات الأجيال الجديدة، تعيد تشكيل طبيعة المحتوى والتفاعل.
– تحولات البحث الإعلامي تتجه البحوث الحديثة نحو:
– دراسة تأطير الأخبار وكيفية تقديم القضايا ضمن سياقات معينة للمعنى.
– تحليل صحافة المواطن والإعلام التعاوني وتأثيره على الشكل المهني التقليدي.
– فهم ديناميكيات وضع الأجندة في العصر الرقمي ودمج أجندة الإعلام مع أجندة الجمهور.
– استكشاف دور “حراس البوابة” الجدد في تنظيم المعلومات الوفيرة.
دراسة حالة..نموذج قناة الجزيرة:
توضح حالة قناة الجزيرة كيف تترجم الأطر النظرية إلى واقع، وتُظهر صراعاً عملياً على المصلطلحات مثل “الاستقلال” و”التأثير”:
حيث تقديم نفسها كمنصة مستقلة كسرت “صنمية” الإعلام العربي التقليدي و”طابوهاته”.و اتبعت استراتيجية وضع الأجندة من خلال التركيز على قضايا كانت مهمشة، مما أثر على النقاش العام العربي.
حيث عالجت أخباراً ضمن إطار “الكشف” والمقارنة، مما خلق ردود فعل سياسية قوية من دول كثيرة.
و تجاوزت نموذج التبعية التقليدي، مما خلق توتراً مع الأنظمة السياسية التي أصدرت قرارات “ضد” خطها التحريري.و يمكن تحليل تأثيرها عبر المستويات الثلاثة المذكورة سابقاً: التوعية (معرفة الأفراد)، خلق النقاش العام، والتأثير على السياسات والمواقف الرسمية.
وفي الحديث عن مستقبل الصراع المصطلحي من المتوقع أن تستمر وتتعمق إشكالية المصطلحات بسبب عدة عوامل، أهمها:
– التحول الرقمي: سيستمر في تفكيك وتعريف مفاهيم مثل “وسيلة الإعلام”، “الصحفي”، و”الجمهور”.
-تطبيقات الذكاء الاصطناعي: ستثير أسئلة أخلاقية ومهنية جديدة حول صناعة المحتوى والتحقق منه، وتحتاج إلى مصطلحات ونظريات جديدة لفهمها.
-السياقات السياسية المتغيرة: سيستمر الصراع بين نماذج الإعلام الموجه لتحقيق أهداف وطنية (كالمصالحة) ونماذج الإعلام الرقابي المستقل الذي يطالب بالشفافية.
العولمة: ستزيد الدراسات الإعلامية الدولية المقارنة من الحاجة لوضع مصطلحات ومقاييس مشتركة لفهم الاختلافات بين الأنظمة الإعلامية العالمية.









