الأمثالُ الشَّعبيَّةُ , ورِجالاتُ القريةِ المِصريةِ المَرمُوقُون قديمًا…بقلم محمد عبد اللاه أحمد

السلام عليكم
– وإذا رجعنا إلى القرية المصرية في تلك الأزمان وتجولنا داخلها في كل مكان , وبحثنا عن الشخصيات المرموقة فيها , والتي تديرها سياسيًّا ودينيًّا وطبيًّا وجدنا الذين يديرون الحياة السياسية والأمنية فيها هم ( العمدة وشيخ البلد وشيخ الخفر والخفراء ) ، والذين يديرون الحياة الدينية والروحانية فيها هم ( القاضي , وشيخُ الجامع , والشيخُ الفقيهُ مُحَفِّظُ القرآن , والشيخُ القارئُ للقرآن الكريم ) ، والذين يديرون الحياة الطبية والعلاجية هم ( حلاقُ القرية , والدايةُ , والمجبراتي ) … .
– وإليك التفاصيل :
– كان علي رأس أهل القرية – ولايزال في بعض القرى حتى الآن – رجلٌ من رجالاتها المرموقيين ، أصحاب الحول والطول ، والحل والعقد ، ومن أهل الثراء والمكانة ، يقوم بحل المشكلات ، وفض المنازعات ، وإصلاح ذات البين , وإرساء قواعد الأمن والأمان بين أهل قريته ، يُعيَّنُ من قِبَل الحاكم ، ويقيم في منزل كبير متميز أعده لنفسه يسمى ( الدُّوَّار ) , ويطلق عليه ( العمدة ) .
• وفي ذلك قالوا علي سبيل السخرية والاستنكار : ” حَاشْرِينْ حُمَارْهُمْ جَنْبِ حْمَارِ الْعُمْدِةْ ” – ” عُمْدِةْ وْخَالِى أَطْيَانْ ” ، وقالوا : ” العُمْدِةْ شَكِّتثهْ شُوكَةْ , بِقِتْ الْبَلَدْ فِي دُوكَةْ , وِالْفَقْرِي قَرَصْتُهْ عَقْرَبْ قَالُوا : مَالِ الْفَقْرِي بِيِتْشَقْلَبْ ؟! ” .
• وكان يقوم بمساعدته في إدارة القرية والنجوع التابعة لها رجلان ذوا شأنٍ وبأس ، يُطلَقُ علي أحدهما ( شيخ البلد ) ، وعلي الآخر ( شيخ الغفر ) ؛ حيث يتولى شيخُ البلد الأعمالَ الإدارية والاجتماعية في القرية ، ويقوم شيخُ الغفر والغفراء الذين معه على استقرار أمن القرية وحمايتها ليلًا ونهارًا ، وحماية زوارها من المسئولين وغيرهم في كل المناسبات الوطنية والاجتماعية والدينية ، وفي ذلك قالوا : ” الوَلَدْ وَلَدْ , وَلَوْ كَانْ شِيخِ الْبَلَدْ ” ، وقالوا : ” شِيخِ الْغَفَرْ , ظَبَطْ نَفَرْ , خَدِ الْغَفِيرْ نَعْسَانْ ” ، وقالوا : ” أَحُطَّهَا فْي بِيرْ , وَلَا ادِّيهَا لْغَفِيرْ ” – ” عَادِي وَزِيرْ , وَلَا تْعَادِي غَفِيرْ ” .
– ومن سادات القرية – أيضًا – والمدينة كذلك – ذلك الرجلُ المسنُّ الذي ينتمي إلى الأزهر – غالبًا – ويقوم بعقد الِقران بين الراغبين في الزواج علي كتاب الله ، وسنة رسوله , وعلى الصداق المسمى بينهم ، وعلى مذهب الإمام أبى حنيفة النعمان يُطلَقُ عليه ( المأذون ) , أو ( القاضى ) .
• وفيه قالوا : ” أَنَا رَاضِى وْهُوَّا رَاضِى , وِانْتَ مَالَكْ يَا قَاضِى ” _ ” عَلَي بَالْ مَا تِتْزَيَّنِ الْخَايْبِةْ , يِكُونِ الْقَاضِى مَشَى ” .
• وذلك القاضي غيرُ القاضي الموجودِ في المدينة الجالسِ في مكتبه الخاص به داخل المحكمة الشرعية أو المدنية ، والذي يفصلُ بين المتنازعين والمتناحرين في قضايا كبيرة على المستوى العام ، وهو يُعَدُّ أحدَ رجالات الدولة المرموقين ، فقد قالوا فيه أيضًا : ” الفَاضِي يِعْمِلْ قَاضِي ” – ” حُكْمِ التَّرَاضِي , أَحْسَنْ مِنْ حُكْمِ الْقَاضِي ” – ” إِذَا كَانْ خِصْمَكِ الْقَاضِي , مِينْ تِقَاضِي ؟ ” – ” قَاضِي الْعِيَالْ اِشْتَكَى نَفْسُهْ ” – ” قَاضِي الْحَرِيمْ اِشْتَكَى نَفْسُهْ ” – ” لَوْ الْقَاضِي يِنْصِفِ الشَّاكِى , مَا كَانِ الشَّاكِي يِرْجَعْ بَاكِي ” …
– ومن رجالات القرية المرموقين كذلك : شيخ الجامع الإمام العالم وشيخ الكُتَّاب الفقيه المعلم والشيخ القارئ للقرآن الكريم – أما ( شيخ الجامع ) فكانوا يطلقون عليه لقب ( العالِم ) ذلك لانتمائه إلى الأزهر الشريف ، وحصوله على درجة العالِمية في علوم الدين ، وقيامه بإمامة الناس في الصلاة ، وإلقاء خطبة الجمعة كلَّ أسبوع , وعقد الدروس الدينية في الجامع بين المغرب والعشاء ، وإفتاء الناس فيما يستفتونه فيه ، ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم بإلقاء الخطب والمواعظ في مجالسهم ؛ حيث قالوا : ” عَلِّقْهَا فْي رَقَبِةْ عَالِمْ , وِاطْلَعْ سَالِمْ ” .
– وأما ( الشيخ الفقيه ) فكان يقوم بتعليم الصبية والفتيات الصغيرة مبادئ القراءة والكتابة والحساب ، وتحفيظهم القرآن الكريم والحديث الشريف ثم يعلمهم ما تيسر من علوم الدين وعلوم اللغة العربية فيما كانوا يطلقون عليه ( الكُتَّاب ) ؛ حيث قالوا على سبيل المزاح والسخرية : ” بَعْدِ مَا شَابْ , وَدُّوهْ الْكُتَّابْ ” .
– وأما ( الشيخ القارئ للقرآن الكريم ) – أو ربما وصفوه بالفقيه كذلك – فكان يقوم بإحياء ليالي شهر رمضان المبارك بتلاوة القرآن الكريم – بما يتميز به من صوت جميل وقراءة مؤثرة – في دوار العمدة ، أو في المندرة عند بعض العائلات الكبرى بالقرية حتى يختمه جميعًا في نهاية الشهر الكريم فيما يسمى بــ ( الختمة الشريفة ) ، وقد يتلو القرآن الكريم في بعض المناسبات الأخرى عند أهل قريته ، أو القرى المجاورة كالواجبات الجنائزية ، أو إحياء ليالي الأعراس ، أو الاحتفال بالعودة بعد أداء فريضة الحج ، أو العودة بعد سفر طويل , أو غير ذلك ؛ فقالوا : ” الفَقِي لَمَّا يِسْعَدْ , تِيجِي لُهْ خَتْمِتِينْ فِي لِيلَةْ ” .
– ومن الذين لا يجوزُ نسيانُهُ في هذا المقام – لما له من دورٍ فعَّال في قريته ، والقرى المجاورة آنذاك – ( المزين ) أو ( حلاق القرية ) أو ( الحلاق المتجول ) أو ( حلاق الصحة ) ؛ حيث كان يقوم بدورٍ بارزٍ في مجال الطب والمعالجة بالأعشاب إضافة إلى عمله الأصليِّ وهو الحلاقة ، فكان يعالج الناس من ضربات الشمس ، ونزلات البرد ، وأوجاع البطن ، ويقوم بختان الصِبْيَة الصغار بعد جلوسهم فوق ( الماجور ) أو ( العجان ) مقلوبًا ، كما كان يقوم بتضميد الجروح وضرب الحقن ، وغير ذلك ؛ حيث قالوا : ” مُلُوخِيِّةْ وْعِيشْ لَيِّنْ يَا خَرَابْ بِيتَكْ يَا مْزَيِّنْ ” – ” قَالْ : مِينْ أَبْرَدْ مِنِ الْحَلَّاقْ قَالْ : اللِّي يِحْلِقْ مَا يِدْفَعْشْ ” .
– وكان هناك أيضًا ( الداية ) أو ( القابلة ) أو ( المولدة ) التي تقوم بدور لا يقلُّ خطورةً أو أهميةً في قريتها أو القرى المجاورة كذلك وهو توليد النساء ، وختان البنات ، والتدخل أحيانًا في خصوصيات الزواج وفيما يتعلق بأمراض النساء والتوليد على قدر ثقافتها وخبرتها في هذا المجال ؛ حيث قالوا : ” زَيِّ الدَّايِةْ تِفْرَحْ بِعْيَالْ غِيرْهَا ” .
– وكان هناك أيضًا في نفس القرية أو في إحدي القرى المجاورة ( المجبراتي ) الذي يقوم بدور كبير في تجبير الكسور ، وعلاج التواءات المفاصل ، وعلاج تمزق الأربطة وآلام الظهر وآلام الرقبة ، وكل ما يتعلق بالعظام ؛ حيث قالوا : ” زَيِّ الْمَزْقْ يِيجِي بِالْعَكْسْ ” .