رؤي ومقالات

د. محمد سيد أحمد يكتب :إعلان وفاة الأمم المتحدة !!

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

لم يعد إعلان وفاة الأمم المتحدة والقانون الدولي والشرعية الدولية مسألة مجازية أو خطابًا أيديولوجيًا حادًا، بل صار توصيفًا واقعيًا لعالم فقد آخر أقنعته، فحين تقدم الولايات المتحدة الأمريكية، بكل ما تمثله من ادعاء زائف للديمقراطية وحقوق الإنسان، على خطف رئيس دولة ذات سيادة هو الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، فإننا لا نكون أمام حادثة سياسية عابرة، بل أمام لحظة كاشفة لانهيار النظام الدولي برمته، وسقوطه الأخلاقي والقانوني سقوطًا مدويًا.

ما جرى – ويجري – بحق فنزويلا ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل البلطجة الإمبريالية الأمريكية، التي لم تعترف يومًا بقانون دولي إلا إذا كان أداة طيعة لخدمة مصالحها، ولم تحترم شرعية دولية إلا إذا ضمنت من خلالها استمرار هيمنتها ونهبها المنظم لثروات الشعوب، إن اختطاف رئيس منتخب، معترف به من مؤسسات دولية، هو جريمة سياسية مكتملة الأركان، لا تقل في خطورتها عن الانقلابات العسكرية التي دعمتها واشنطن في أمريكا اللاتينية، أو عن الحروب العدوانية التي شنتها في العراق وأفغانستان وليبيا.

الأمم المتحدة التي تأسست – نظريًا – بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار منطق القوة والغلبة، وقفت مرة أخرى عاجزة، صامتة، متواطئة بالصمت، كما وقفت من قبل أمام جرائم الاحتلال الصهيوني، وأمام تدمير العراق، وأمام حصار كوبا وفنزويلا، هذا الصمت ليس عجزًا فنيًا أو إداريًا، بل هو تعبير عن طبيعة هذه المنظمة التي تحولت إلى أداة بيد القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تمارس عبرها الهيمنة الناعمة حينًا، وتبرر عبرها العدوان الصريح حينًا آخر.

والقانون الدولي الذي طالما صدعوا رؤوسنا به في منطقتنا العربية، لم يعد سوى نصوص ميتة تستدعى لمعاقبة الضعفاء، وتعطل حين يتعلق الأمر بالأقوياء، فأين القانون الدولي حين تخطف قيادة سياسية لدولة ذات سيادة؟ وأين مجلس الأمن؟ وأين محكمة العدل الدولية؟ وأين كل تلك المنظمات التي لا تستيقظ إلا عندما تقرر واشنطن أن “دولة ما” خرجت عن بيت الطاعة؟

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن ما نشهده اليوم هو تعبير عن أزمة بنيوية في النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي، الذي لم يعد قادرًا على إدارة تناقضاته إلا بالعنف المباشر، فنزويلا بخياراتها السيادية، وبمحاولتها استعادة ثرواتها النفطية من قبضة الشركات العابرة للقوميات، تمثل خطرًا رمزيًا وماديًا على نموذج الهيمنة الأمريكية، لذلك كان لا بد من كسر هذا النموذج، ليس فقط عبر العقوبات والحصار والتجويع، بل عبر استهداف رأس الدولة ذاته، في رسالة واضحة لكل شعوب الجنوب، من يخرج عن النص يعاقب.

وكعرب قوميين، نقرأ ما جرى في فنزويلا باعتباره جزءًا من معركة واحدة ممتدة من كراكاس إلى غزة، ومن هافانا إلى بغداد، فالعدو واحد، والمنطق واحد، والأدوات وإن اختلفت تتكامل، الإمبريالية الأمريكية لا ترى في الشعوب سوى موارد، ولا في الدول سوى ساحات نفوذ، ولا في القوانين سوى أوراق ضغط، وإن لم تدرك شعوب العالم الثالث هذه الحقيقة، وتعمل على بناء جبهة مقاومة سياسية واقتصادية وثقافية، فإن الدور سيأتي على الجميع بلا استثناء.

إن خطف مادورو ليس استهدافًا لشخصه فقط، بل إهانة لفكرة السيادة الوطنية، وإعدام علني لمفهوم الشرعية الدولية، وهو في الوقت ذاته فضيحة أخلاقية لكل من لا يزال يراهن على “إصلاح” الأمم المتحدة أو “تحييد” القانون الدولي، فالرهان الحقيقي يجب أن يكون على إرادة الشعوب، وعلى التضامن الأممي الحقيقي بين قوى التحرر، لا على مؤسسات صممت منذ نشأتها لحماية الأقوياء.

لقد ماتت الشرعية الدولية يوم أصبحت واشنطن هي القاضي والجلاد معًا، ومات القانون الدولي يوم صار يكتب في البيت الأبيض ويفسر في البنتاجون، وما تبقى لنا، نحن أبناء العالم المقهور، إلا أن نعلن نحن أيضًا موقفنا، لا شرعية لقوة غاشمة، ولا قانون فوق إرادة الشعوب، ولا مستقبل لعالم يدار بمنطق الخطف والبلطجة، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

بقلم/

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock