خارج المدى.. قصة قصيرة بقلم: حسين بن قرين درمشاكي

النص
في قبوٍ اكفهرَّ عن ضوءِ الشمسِ منذ دهور، تسمّر الخبراء أمام شاشات تئزُّ بوجلٍ وهي تقتفي طيفاً ينسلُّ عبر الدوائر الرقمية. لم يكن سوى خيط باهت يخرق الأفق، مخلفاً عبق بخور عتيق أعجزَ الرادارات عن فكّ شفرته.
جيوش من خيول الظن وأقمار لا تغمض أجفانها حاصرت المدى، لكنه ظلَّ يسبق الموجة بخطوة. كلما ضيَّقوا عليه الزاوية، انفرط بين أصابعهم غبارٌ؛ ليظهر في زقاق آخر، تستره جدرانُ المدينةِ وهي تحفر في صخرها مَجراه لدمع لا يجف، ونشيد يرفض الانكسار.
ذات صقيع، أعلن الجهاز المركزي حالة اليقين.
تمَّ الرصد.
عند مضيق الشهادة، حيث ينحسر المدى ويضيقُ الحديد، وقف. بدلة عسكرية تشرّبت غبار الرّباط. سحنة سمراء تختزل تضاريس بلاد كاملة. قامةٌ أبَت الانحناء. أحاطت به الوحدات الخاصة بأسوار حديد ونار. لم يرمش. استحال مِشْكاةً في تيه الليل. بخفّة جرّاح يدرك مكمن الوجع، رفع يده. أمسك بطرف اللثام.
ساد صمت كوني ثقيل. بيد ثابتة كجذر زيتونة كنعانية.. خلع اللثام.
لم يظهر وجه من طين. انبعثت من خلف القماش ريحٌ صرصرٌ قلبت موازين الفيزياء. انفجر نور عتيق أعشى الأبصار، فارتبكت جهات الأرض في بوصلاتهم، وجفل الغبار تحت أقدامهم هارباً من قدسية المشهد.
هدأ الضجيج فجأة. اقتحموا الفراغ..
لم يجدوا جسداً يُكبّل بالأغلال، ولا فدائياً يرفع كفيه مرتجفاً.
وجدوا بدلة خاوية مُسجاة بهيبة فوق التراب، ورسالة نُقشت بملح الغيم، غارت في مسام صخرة الموقف:
الريح لا تُسجن. الروح مُبتدأ.. وأنتم، مجرد “خَبَر.
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي









