
هذه ليست مقالة رأي، بل شهادة تُكتب للتاريخ.
ما جرى مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لا يمكن تلطيفه بالمصطلحات القانونية ولا تغليفه بسرديات مكافحة الجريمة. نحن أمام ممارسة صريحة للقوة خارج منطق السيادة، تُقدَّم للعالم باعتبارها إجراءً مشروعًا، بينما هي في جوهرها اختطاف سياسي بمعايير القوة لا العدالة.
ليست هذه المرة الأولى. التاريخ الحديث مليء بأمثلة لا لبس فيها. في العراق، دُمّرت دولة كاملة بذريعة “أسلحة الدمار الشامل” التي لم يُعثر عليها قط. في بنما، أُسقط رئيس دولة بالقوة العسكرية تحت عنوان “الحرب على المخدرات”، ثم أُعيد تعريف العملية لاحقًا كتدخل ضروري. في تشيلي، أُطيح بحكم منتخب ديمقراطيًا لأن خياراته الاقتصادية خرجت عن الخط المرسوم. وفي ليبيا، فُتح باب الانهيار الشامل باسم “حماية المدنيين”، ثم تُرك البلد لمصيره.
أما الجذر الأقدم، فيعود إلى خمسينات القرن الماضي، حين أُطيح برئيس وزراء إيران محمد مصدق لأنه مارس حقًا سياديًا بديهيًا: تأميم ثروة بلاده النفطية. منذ تلك اللحظة، ترسّخت قاعدة غير مكتوبة في النظام الدولي: السيادة مشروطة، والاستقلال مسموح به ما دام لا يُربك مصالح القوى الكبرى.
ما تغيّر اليوم ليس السلوك، بل الخطاب. في الشرق الأوسط، استُخدمت “حقوق الإنسان” ذريعة لإعادة تشكيل أنظمة. في أمريكا اللاتينية، تُستخدم “مكافحة المخدرات”. العنوان يتبدل بحسب الجغرافيا، أما الفعل فواحد: نزع الشرعية عن الخصم، ثم التعامل معه كهدف لا كدولة.
دونالد ترامب لم يبتكر هذه القاعدة، لكنه أزال عنها آخر مساحيقها الأخلاقية. قال علنًا ما كانت الإدارات السابقة تمارسه بحذر، وبهذا المعنى لم يخطف رجلًا أو رئيسًا فحسب، بل شرعن سابقة خطيرة: أن تُدار العلاقات الدولية بمنطق السوابق لا القواعد.
حين تُكتب هذه المرحلة لاحقًا، لن يُسأل فقط: من خُطف؟
بل سيُسأل السؤال الأخطر: متى قرر العالم أن يصمت؟