كتاب وشعراء

أنا المواطن المؤقت في هذه الجملة….بقلم محب خيري الجمال

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

جلست على كرسيٍّ أعرج في مقهى شعبي
لا يجلس فيه إلا الحالمون الذين نسوا كيف يحلمون
والعواجيز الذين يملكون وقتا كافيا
لإعادة ترتيب الخسارات.
كوب الشاي أمامي
يبدو كميزانية الدولة: شفاف، ضعيف، يكاد ينكسر من أي حركة،
أحرّك الملعقة، فتصدر صوتا
أصدق من نشرات الأخبار
وأقوى من كل الخطب المرفوعة على الحائط.
النادل يعرف طلبي ولا يعرف اسمي،
وهذا يكفي ليشعرني بأنني مواطن مؤقت،
سجين كرسيٍّ ومربوط بخيط أسود من الدخان.
الطاولة لزجة
من السكر،
ومن العرق،
ومن حكايات لم يجدها أحد ليوقّعها.
رجل على يميني يحلف أن الرغيف كان يشبع أسرة،
ورجل على يساري يقسم أن الجنيه كان له وزن
قبل أن يموت في جيبه.
فجأة من الشارع يأتي صوتٌ مبحوح،
صارخا بحنق ومهارة: زيت مستعمل
نشتري الزيت المستعمل
يدور حول المقهى كأنه ضمير يبحث عن علبة فارغة
أو عن وطن ضائع.
تدخل بنت في العشرين، تحمل شنطة أكبر من أحلامها،
تعرض عطورا، ساعات، ومستحضرات تعد بتحسين المزاج لا الحياة،
تبتسم وكأنها تعتذر عن السوق، عن الأسعار، عن كل شيء.
العواجيز يشترون منها ليثبتوا لأنفسهم أنهم ما زالوا زبائن
حتى لو كان الوطن قد غادرهم.
فوق الحائط، في التلفزيون المعلّق،
تعلن الحكومة عن خطة جديدة لرفع المعاناة،
يتكلم المذيع بثقة كأن المعاناة لم تكن مرتفعة بما يكفي.
أحدهم يصفق، ليس إعجابا، بل لطرد ذبابة
سقطت على الكلام الكبير.
وفي الركن يضحك رجل، ضحكة عالية بلا سبب واضح،
ثم يقول، وهو يمسح فمه بظهر يده:
(أنا اللي شلت جوزيف
وعدّيت القناة عايم…)
ضحكته تتسع ولا أحد يسأله عن القناة،
ولا عن جوزيف
ولا عن الكلام الكبير،
لأن كل واحد منا يعبر شيئا ولا يصل.
الثرثرة هنا أدق من الإحصاءات،
عن السكر الذي صار سلعة نفسية،
عن الزيت الذي صار ذكرى،
عن الغلاء الذي يدخل البيوت دون استئذان،
عن طفلة تحمل عبء المبيعات
وابتسامتها كأنها شهادة حسن سلوك
تحتاجها الحياة ليبقى شيءٌ فيها صالحا.
أنا المواطن المؤقت في هذه الجملة،
أحسب الأسعار على أصابعي،
فأخسر إصبعا في كل مرة، وأضحك،
لأن الضحك آخر شيء لم يُفرض عليه ضريبة.
السياسة تمر من المقهى خفيفة كقطٍّ جائع،
تسرق لقمة ولا تترك برنامجا،
تتركنا نحسب المدى الذي يمكن فيه لخبزٍ أن يصبح قصيدة.
أدخّن أفكاري ببطء، وأترك الدخان يشرح للسماء
ما لا يصلح للتقرير.
كل شيء هنا مؤقت: الكراسي، الضحكات، الوعود،
حتى اليأس يبدّل نوبته كل مساء،
ويجلس بيننا كضيف محترم،
يشرب الشاي ويضحك من الداخل.
أكتب كي أؤجّل السقوط،
وكي أجد لي مقعدا في هذه الجملة المتعبة،
حتى لو كنت مجرد فاصلة تتنفّس
بين أصوات الزيت،
وصوت البنت،
وضحكة الرجل،
وخطط الحكومة،
وغبار الأيام.
في النهاية
نهضتُ ومشيت، وكان الطريق أقصر من أفكاري،
لم ألتفت وراءي،
ولا أعرف الآن
هل تركتُ ثمن الشاي على الطاولة
أم تركتُ نفسي ومضيت.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock