
من طلب الجن ركضوه،
والإنسان… ثلِت ما نطق.
في اليمن، لا نحتاج لاستحضار الجن، فالأشباح تمشي بيننا علنًا: أشباح السياسة، وأشباح القيادات، وأشباح القرارات التي لا تعيش إلا على الدم.
اليوم عدن، وكل محافظات الجنوب والشرق، تهتف بصوت واحد:
بالروح بالدم نفديك يا يمن
مشهد يهز الذاكرة، ويعيد سؤالًا مخيفًا:
هل هذه وحدة تُبعث من الشارع… أم جنازة جديدة تُحمل على أكتاف الناس؟
الوحدة: عندما تخرج من الحناجر لا من الأدراج
ما حدث ليس بيانًا حزبيًا، ولا صفقة إقليمية، ولا “مخرجات حوار”.
ما حدث هو أن الناس، العاديين جدًا، الفقراء جدًا، المنهكين جدًا، قرروا أن يقولوا: كفى عبثًا.
الوحدة هنا لم تُعلن من قاعة مكيفة، بل خرجت من حنجرة بائع، ومن قلب أم، ومن تعب عامل، ومن شوارع ملأى بالغبار والخذلان.
والمفارقة المؤلمة؟
أن الشعب يصرخ بالحياة، بينما القيادات لا تتقن إلا لغة الموت.
بالروح بالدم… لماذا دائمًا بالدم؟
سؤال بريء، لكنه خطير:
لماذا لا نهتف يومًا:
بالحياة والعز نعيش على ترابك يا يمن؟
لماذا صارت الوطنية عندنا مرتبطة بالموت فقط؟
كأن الوطن لا يقبل أبناءه إلا قرابين.
كأن الأرض لا ترتوي إلا بالدم، لا بالعمل، لا بالكرامة، لا بالعدل.
الشعب يهتف بالموت…
والقيادة تعيش بالحياة.
الشعب يقدم الروح…
والقيادة تفاوض على الرواتب بالدولار.
الشعب يدفن أبناءه…
والقيادة تدفن ملفاتها في الأدراج وتفتح حساباتها في الخارج.
الشعب يموت هنا… والقيادات تعيش هناك
هنا جوهر السخرية السوداء:
الناس تهتف “نفديك”،
والقيادات ترد عمليًا: “افدونا”.
هم استبدلوا الروح بالحساب البنكي،
واستبدلوا الدم بتأشيرة،
واستبدلوا الوطن بفندق،
واستبدلوا العز بخطاب سيادي يُلقى من المنفى.
الشعب يعيش على أمل،
والقيادة تعيش على ضمان.
الشعب يحلم بوطن،
والقيادة تحلم بتمديد.
الوطن ليس شعارًا… بل عقدًا أخلاقيًا
الوحدة التي يولدها الشارع أخطر على الفاسدين من ألف بيان سياسي.
لأنها تفضحهم.
تقول لهم:
نحن لم نختلف يومًا على اليمن،
أنتم اختلفتم علينا باسمه.
نحن لم نساوم على الوحدة،
أنتم ساومتم بها في كل طاولة.
الوطن ليس “بالروح بالدم” فقط،
الوطن أيضًا:
بالعدالة نعيش،
وبالكرامة نصمد،
وبالمحاسبة نحيا.
خاتمة :
صرخة بلا دم
إن ظللنا نهتف بالموت،
سيظل الموت هو اللغة الوحيدة التي تفهمها القيادات.
وإن أردنا وطنًا حيًا،
علينا أن نغير القاموس:
من فداءٍ بلا مقابل
إلى حياةٍ تستحق أن تُعاش.
الوحدة التي خرجت من الشارع اليوم
ليست إعلان حرب،
بل طلب حياة.
ومن لا يفهم ذلك،
فليعلم أن الشعب الذي يهتف اليوم
قد يتكلم غدًا…
وحين ينطق الإنسان،
لا يعود الجن وحدهم من يركضون.