رؤي ومقالات

وحيد محمد عياده يكتب :كلمةٌ تهزّ السماء قبل الأرض !

ليست كل الكلمات سواء، فبعضها يمرّ على اللسان عابرًا، وبعضها إذا خرج من القلب أحدث زلزالًا في الواقع. ومن أعمق ما نطقت به البشرية عبر تاريخها كلمةٌ قصيرة المبنى، عظيمة المعنى: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

إنها ليست جملة استسلام، ولا شعار ضعف، بل إعلان توحيد كامل، وتفويض مطلق، وقطعٌ لكل خيط إلا ما كان موصولًا بالله.

المعنى… حين يفرغ القلب إلا من الله

معنى حسبي الله : الله كافيني، فلا أحتاج مع كفايته إلى سندٍ آخر.
ومعنى نِعْمَ الوكيل : نعم المفوَّض إليه الأمر، لأنه العليم بالباطن، القادر على الظاهر، الحكيم في النتائج.

هي كلمة تُقال حين تضيق الأسباب، وحين تتكسر الأبواب، وحين يدرك الإنسان أن البشر مهما بلغت قوتهم، يبقون أسبابًا لا خالقين.

أول من قالها… كلمة الأنبياء في أشد اللحظات

لم تكن هذه الكلمة وليدة موقف عابر، بل نطقت بها أفواه الأنبياء في ذروة الابتلاء.

إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، والنار في منطق البشر نهاية كل شيء، قالها إبراهيم بيقينٍ كامل:

حسبي الله ونعم الوكيل
فكانت النتيجة التي سجلها القرآن: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾

محمد ﷺ وأصحابه
حين اجتمعت قريش والقبائل لإبادة المسلمين بعد أُحد، وقيل لهم:

﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾
فما كان ردّ المؤمنين إلا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
فجاء الوعد الإلهي: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾

في السنة النبوية… سلاح المظلوم

قال النبي ﷺ: دعوة المظلوم تُحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين

وكان من أكثر ما يُروى عن السلف أنهم إذا اشتد عليهم الظلم أو نزل بهم الكرب قالوا:
حسبي الله ونعم الوكيل
لأنها تختصر الدعاء كله في جملة واحدة.

هل لها أثر في العلاج؟

نعم… أثرٌ روحي ونفسي ثابت، وأثر جسدي تشهد له التجربة قبل الطب.

لأنها تُسقط القلق من القلب، والقلق أصل كثير من الأمراض.
لأنها تنقل الإنسان من دائرة الخوف إلى دائرة الطمأنينة.
لأنها تُعيد ترتيب الجهاز العصبي على السكينة بدل التوتر.
وقد قرر القرآن هذه القاعدة الكبرى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

والطمأنينة ليست شعورًا عابرًا، بل بيئة شفاء.

خاتمة… كلمة لا تُهزم :-

حسبي الله ونعم الوكيل
ليست كلمة الهاربين، بل كلمة الواثقين.
ليست شعار اليائس، بل راية المؤمن الذي فعل ما يستطيع، ثم سلّم النتائج لمن لا يُخطئ الحساب.

قلها…
حين تُظلم.
حين تُخذل.
حين تمرض.
حين تُغلق الأبواب.

وقلها وأنت موقن أن الله إذا تولّى، فلا خسارة بعدها أبدًا.

الجدير بالذكر كنتُ ذات مرة ألوذ بهذه الكلمات( حسبى الله ونعم الوكيل ) في مؤسسةٍ ظننتُها تقدر القيم، فكان جزائي خصم أربعة أيامٍ من راتبي، لا لخطأٍ مهني، بل لجريمة أعظم: أن لجأت إلى الله بدلًا من سلطة البشر.

واليوم، في زمنٍ غريب، لم تعد «حسبي الله ونعم الوكيل» تثير غضب الظالمين وحدهم، بل ينهرك بعض الناس إذا نطقت بها، كأن التفويض لله صار تجاوزًا على قوانينهم، أو جريمة لا تُغتفر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى