
في سابقة دولية خطيرة أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية مطلع يناير من العام الجاري ٢٠٢٦ وخلال فترة الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب على تنفيذ عملية فريدة من نوعها لم تسبقها اليها دولة أخري حين قامت قوات خاصة أمريكية بإعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من داخل غرفة نومهما بمجمع مادورو السكني المحصن داخل قاعدة بويراتيون بالعاصمة كاراكاس ،ونقلهما للولايات المتحدة الأمريكية بزعم تقديمهما للمحاكمة القضائية إنفاذاً للقانون عقب دعوى جنائية رفعتها وزارة العدل الأمريكية مارس ٢٠٢٠ ضد مادورو وعدد من المسؤولين الفنزويليين ،حيث زعمت لائحة الاتهام أن مادورو وشركاءه تآمروا مع جماعات مسلحة كولومبية لتهريب مخدر
الكوكايين إلى الولايات المتحدة!
◾️◾️◾️
العملية الخاطفة تمت بعد أشهر من حصار فنزويلا ورئيسها مادورو واتهامهما إلي جانب دول جنوبية أخري مثل نيكاراجوا وكولومبيا بالتورط في تهريب المخدرات للولايات المتحدة ،كانت بداية الحراك مطلع اغسطس من العام الماضي ٢٠٢٥ حين قامت الولايات المتحدة برصد مكافأة قدرها ٥٠ مليون دولاراً مقابل رأس مادورو في إطار ما وصفته السلطات الأمريكية بـ”مؤامرة إرهاب مخدرات” لتنهي العملية النوعية التهديدات عملياً بعد فرض حصار جوي وبحري وإعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته ونقلهما الي واشنطن تمهيداً للمحاكمة المزعومة .
الأهداف التي جاءت من أجلها العملية لم تعلن كلها صراحة وإن كانت أهدافاً يستطيع أن يرصدها القاصي والداني ،وان أردنا توصيفها وفقاً لشخصية الرئيس الأمريكي ترامب ،فهي لا تتعدي كونها أهدافاً اقتصاديّة بحته ،يغلب الانطباع الأولي فيها علي الرغبة في السيطرة علي منابع النفط الفنزويلية والتي يقدرها المختصون في عالم تجارة الذهب الأسود باحتياطيات تصل إلي ٣٠٠ مليار برميل ،حيث سال لها لعاب رئيس كبري الدول الصناعية ،ليكشر بعد ذلك عن انيابه بعملية الإعتقال الخاطفة والتي سيطمع بعد نجاحها علي الأرجح في تسخير المنابع الثرية في كاراكاس لخدمة ودعم الاقتصاد الأميركي ،ولا يمكننا فهم غير ذلك خاصة بعد ما أعلنها الرئيس ترامب صراحةً بأنه لم يعد للولايات المتحدة حاجة للنفط العربي بعد الإشراف علي تكرير النفط الفنزويلي لسنوات ،ولكن هل سيكون الأمر بمثل هذه البساطة ،وهل ستتغير سلاسل التوريد النفطية فجأةً وتقصي دفتها عن منابع الخليج العربي لتتجه في أيام معدودات صوب الشطر الجنوبي من القارة الأمريكية وتحديداً نحو كاراكاس العاصمة الفنزويلية ؟
الأمر ليس بالسهولة التي يبدو عليها
،حتي ان هناك من الاقتصاديين الذين يرون أن العملية قد تتورط بسببها الولايات المتحدة اقتصادياً ،نظراً لطبيعة خام النفط الفنزويلي الذي حذّر خبراء المناخ من استخراجه نظرا لطبيعته الخاصة حيث يصنف النفط الفنزويلي بانه الأكثر تلوثاً في العالم نظرا لكونه خاماً ثقيلاً شديد اللزوجة وكذلك لأحتوائه علي عنصري الكربون والكبريت وانبعاثات غاز الميثان الناتجة عن احتراقه ،ما سيفاقم الأزمة المناخية العالمية والمتمثلة في إزدياد الانبعاثات الكربونية والحرارية علي حدٍ سواء والتي تمثل الانبعاثات الناتجة عن النفط الفنزويلي ضعف مثيلاتها المنبعثة عن الخام التقليدي المستخرج من مناطق أخري ،كما وأن استخراجه وتكريره وبحسب طبيعة النفط الفنزويلي الخاصة يحتاج إلي عمليات صناعية معقدة تستهلك كميات هائلة من الطاقة لحاجة الآبار النفطية الي التسخين وضخ كميات ضخمة من البخار لإستخراجه ،بخلاف عمليات التكرير المعقدة ،وهو مايضيف كلفة أعلي علي استخراجه قد تناهز ضعف الكلفة الاقتصادية في إستخراج النفط الخام التقليدي بالمناطق الأخري الأمر الذي ينعكس علي رغبة ترامب في خفض اسعار النفط العالمية !..كما وأن فنزويلا لاتتوافر لديها البنية التحتية بشكل راسخ ومستقر ،مايفسر تراجع الإنتاج في فنزويلا لأقل من مليون برميل يومياً ويفسر كذلك تصاعد وتيرة التسربات البترولية في عمليات الانتاج بفنزويلا التي وصلت لذروتها بين الاعوام ٢٠١٥ الي ٢٠٢١.
◾️◾️◾️
الولايات المتحدة صدرت للعالم صورة عملية إعتقال (إختطاف)مادورو من داخل بلاده ،على أنها عملية إنفاذ للقانون استندت فيها إلى لوائح اتهام أميركية ،مع تلميحات إعلامية لافتقاد الرئيس مادورو للشرعية كرئيس منتخب لفنزويلا نتيجة ما وصف بالتلاعب في نتيجة التصويت لصالحه في الانتخابات التي فاز بها قبل ثمانية أعوام وتحديداً عام ٢٠١٨ ، لكن الدول الصناعية الكبرى وخاصةً الصين وروسيا وحلفائهم من الدول الصناعية لن يقفوا موقف المراقب فقط ،ويفترض أن يكون لهم رأي مختلف في الوضع الأمريكي الفنزويلي الذي كلما تواتيه الرياح يغتنمها ،فهل سيأتي الرد من الجانب الآخر في وقت أقرب مما يتصور الجميع ،أم أن الأمر صار مفتوحاً علي أكثر من باب ونتيجة ،فهل ستأتي العواقب كما يشتهيها الساسة ؟..