كتاب وشعراء

الأدب وفقه اللغة: حين تُنقّب الروحُ في جسد الكلام… بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليس الأدب ترفاً لغويّاً، ولا فقهُ اللغة تمريناً عقليّاً جافّاً؛ إنهما معاً وجهان لجوهرٍ واحد، هو اللغة حين تفكّر وتحلم في آنٍ واحد. فالأدب هو الفنّ الذي يجعل اللغة تنبض، ويُحرّرها من وظيفتها الإبلاغية الصامتة إلى أفق التأثير والجمال، بينما فقه اللغة هو العلم الذي يحرس أصولها، ويكشف تاريخها، ويُنقّب في طبقاتها الصوتية والدلالية والتركيبية. وبين الفن والعلم، تقوم علاقة لا قطيعة فيها، بل تكاملٌ عضويّ يشبه علاقة الروح بالجسد: لا معنى لواحد دون الآخر.
منذ أن قال ابن جني إنّ “اللغة أصواتٌ يُعبّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم”، فتح باباً فلسفيّاً لفهم اللغة لا بوصفها أداة محايدة، بل ككائن حيّ يتشكّل بتشكّل الوعي الجمعي. فالأديب، في جوهر فعله الإبداعي، لا يكتب خارج اللغة، بل يعيد خلقها، يُزعزع مألوفها، ويُحمّل مفرداتها دلالات جديدة، ويُنتج انزياحاتٍ لا يجرؤ عليها الخطاب العادي. وهنا يصبح الأدب، كما يرى عبد القاهر الجرجاني، ممارسةً عميقة في “النظم”، حيث لا تقوم البلاغة على الألفاظ منفصلة، بل على العلاقات التي تنشأ بينها داخل السياق، أي على هندسة المعنى لا على زخرفة القول.
غير أنّ هذا الخلق الأدبي لا يتمّ في فراغ. فالأديب الذي لا يمتلك وعياً فقهيّاً باللغة، يُشبه من يحفر في الأرض دون أن يعرف طبقاتها؛ قد يعثر على أثرٍ عابر، لكنه يعجز عن استخراج الكنوز. من هنا شدّد طه حسين على أن اللغة ليست وعاءً للفكر فحسب، بل شرطاً من شروط إنتاجه، وأن ضعف الحسّ اللغوي يؤدّي حتماً إلى فقرٍ في الرؤية والتعبير معاً. ففقه اللغة، بما هو معرفة بتاريخ الألفاظ وتحولاتها، وببنيتها الصوتية والصرفية والدلالية، يمنح الأديب مفاتيح الوعي العميق بأداته الأولى: الكلمة.
في المقابل، لا يكتمل فقه اللغة إن انقطع عن الذائقة الأدبية. فاللغوي الذي يقرأ النص بوصفه مادةً تحليلية صمّاء، يفقد “روح النص”، تلك التي لا تُدرك بالقواعد وحدها، بل بالإحساس والإيقاع والتخييل. ولذلك رأى أمين الخولي أنّ النص الأدبي لا يُفهم إلا بتزاوج المنهج اللغوي مع الحسّ الجمالي، لأن اللغة في الأدب لا تقول فقط ما تعنيه، بل تقول أكثر مما تُصرّح به، وتوحي بما يتجاوز ظاهرها. وهذا ما يجعل من الأدب حقلًا تأويليّاً بامتياز، ومن فقه اللغة أداةً لفكّ شفراته لا لتقنينه.
ويذهب محمد عابد الجابري أبعد من ذلك حين يربط بين اللغة وبنية العقل العربي، معتبراً أن تجديد الفكر لا ينفصل عن تجديد العلاقة باللغة، لا من حيث التفريط بأصولها، بل من حيث تحريرها من الجمود وإعادة إدخالها في صيرورة الإبداع. فالأدب، في هذا السياق، ليس مجرّد منتج ثقافي، بل فعل معرفي يختبر حدود اللغة ويكشف طاقتها الكامنة، بينما فقه اللغة يوفّر الوعي التاريخي والنقدي الذي يحول دون السقوط في العبث أو التسيّب التعبيري.
إنّ ما عبّر عنه العرب قديماً بقولهم “الشعر ديوان العرب” لا يعني أنّ الشعر مجرّد سجلّ لغوي، بل يعني أنّه مختبر اللغة الأعمق، حيث تُصاغ المفاهيم، وتُختبر المجازات، وتُعاد تسمية العالم. وفي هذا المختبر، يلتقي الأديب واللغوي: الأول ليخلق، والثاني ليفهم؛ الأول ليغامر، والثاني ليؤوّل. وحين تنقطع هذه الصلة، إمّا أن يتحوّل الأدب إلى لغوٍ جميل بلا عمق، أو يتحوّل فقه اللغة إلى علمٍ عقيم بلا روح.
من هنا، فإن النص الأدبي الرفيع لا يولد إلا من رحم هذا التفاعل الخلّاق بين الفن والعلم، بين الذائقة والمعرفة، بين الجرأة الإبداعية والانضباط اللغوي. فالأدب دون فقه لغة جسدٌ بلا عظام، وفقه اللغة دون أدب هيكلٌ بلا حياة. وفي اتحادهما فقط، تستعيد اللغة العربية قدرتها على أن تكون لغة فكر، ولغة جمال، ولغة مستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى