د. أسامة حمدي يكتب :شوف اثار أجيال …. ملو الدنيا حضارة وابتكار
علموا قلب الحجر .. يوصف معارك الانتصار

كلما إشتقت لمصر، أسمع هذه الأغنية؛ التى كانت ومازالت ترن في أذني منذ أن أذيعت لأول مرة في الستينات، لتقشعر معها ابداننا وتهب بها عزائمنا كلما سمعناها. والأغنية كتبها الشاعر الصوفي عبد الفتاح مصطفى ولحنها الموسيقار المبدع رياض السنباطي وغنتها أجمل حنجرة طرحتها أرض المنصورة، أم كلثوم. وهذا الأغنية بلا أدنى شك أججت وقتها مشاعر الوطنية والفخر بمصرنا العظيمة والتي عشقناها من صميم قلوبنا وحلمنا بها ولها ومازلنا. فحين تحب إنسانًا تتمني أن تصف جماله وحسنه للكون كله فما بالك لو كانت المعشوقة والحبيبة مصر. وكنا نرى جميعًا في أوائل الستينات أن مصر لا تسير بخطى دول العالم بل تقفز قفزًا للأمام وتقف سويًا على قلب رجل واحد عشق تراب أرضه ووقف للعالم ليفتخر بها. والشاعر بلساننا يدعو ضيوف مصر ليروا بلدنا الرائعة ويطوفون فيها ويشاهدون نهضتها وكأنه يعطي لهم مفتاح الجنة ليزوروها. وبالطبع فإن أجمل تحية للضيوف لا تأتي إلا من ضفتي نيلنا الخالد الذي وهبنا الحياة منذ الأزل وكأنه يقول لضيوفنا “أهلا وسهلًا” ويكمل التحية لهم باستعراض حرس الشرف الذي وقف فيه نخلنا مصفوفًا شامخًا أمام ضيوفنا الكرام. وتكتمل الصورة المشرقة بابتسامة شمس مصر الدافئة وهى تحيى القادم اليها مع نسيم يداعب موج النيل ليرقص على صوت ناى فلاحيها ودفوف أهل نوبتها. وكأن مصر كلها قد خرجت في أبهى حللها لتقف سعيدة مبتهجة وهى تستقبل ضيوفها الغاليين. ما أروع هذه الصورة الذهنية الجميلة التي رسمها خيال الشاعر عن معشوقتنا مصر فخرجت تنطق حيةً بحبنا الصادق لها.
طوف بجنة ربنا
ببلادنا وأتفرج وشوف
ضفتين بيقولوا اهلا
والنخيل شامخ صفوف
وابتسامة شمسنا
أجمل تحية للضيوف
والنسيم يرقص بموج النيل
على الناي والدفوف
…………
وتبدأ رحلة الضيوف من المصانع التى بنيت بجانب غيطان مصر التي تمتد الى نهاية البصر فترى في آخرها المآذن وابراج الحمام رمزى الايمان والسلام اللذان عاشت بهما مصر عبر القرون. وهاهى السواقي مازالت تدور لتروي أرض مصر الخضراء بدون توقف ولو ليلة واحدة منذ آلاف السنين. كان هذا هو احساسنا وقتها الذي عبر عنه عبد الفتاح مصطفى ببراعة فحين تنزل الى ريف مصر كأنك انتقلت الى عالم آخر جميل فيه الهدوء والمحبة والسكينة والسلام. طوف أيها الضيف الكريم وشوف معنا حلاوة بلدنا.
طوف وشوف
شوف هنا جنب المصانع
والمداخن والزحام
الغيطان إلي اخرها
المدنه وأبراج الحمام
والسواقي اللى ما نامت
ليله من كام الف عام
شوف جمال الريف
وآمن بالمحبة والسلام
…………
والآن تعالوا يا ضيوفنا الاعزاء لزيارة الجيزة وأهراماتها التي أبهرت العالم ثم نسافر معًا عبر نيل مصر الصافي الى الأقصر وهنا نرى حضارتنا الفرعونية الخلابة التي ملأت العالم ابتكارًا وتطورًا وحضارة. فأجدادنا حولوا الحجارة الصلداء الى كتاب مفتوح نقشوه بأيديهم ليصفوا فيه للكون انتصارات مصر وعظمتها لتبقى أبد الدهر سفيرًا لها بالعزة والفخار، ولم لا؟ فلقد كانت حضارات العالم لم تولد بعد وحضارة مصر في عزها. ولقد إقشعر يومها جلدنا بهذا التعبير المبدع في وصف شموخ حضارتنا المصرية “كان نهار الدنيا مطلعش…وهنا عز النهار”. إيه الجمال ده أيها الشاعر؟ روعة بجد!!!
طوف وشوف
شوف اثار أجيال
ملو الدنيا حضارة وابتكار
علموا قلب الحجر
يوصف معارك الانتصار
علموه يبقى سفير الدهر
ليهم بالفخار
كان نهار الدنيا مطلعش
وهنا عز النهار….!!
…………
ولكن عزيزى الضيف لا تعش معنا فقط في كنوز الماضي رغم جماله وأنظر الى حاضرنا الآن وشاهد ماذا فعل شبابنا ورجالنا وهم يبنون حضارتنا الجديدة بابتكاراتهم. لقد انطلق أبناء مصر في كل مكان ليعمروا ويشيدوا وهاهم بسواعدهم الفتية يبنون لنا سدنا العالي العظيم الذي تزحف مياهه الآن لتخلق عالمًا جديدًا واعدًا وسط الصحراء. تلك الصحراء التي اكتشفنا كنوزها وصهرنا حديدها .فمصر بحق هى محور الكون الذي تصله ببعضه من خلال أروع بقعة على أرضها، أرض بورسعيد الحبيبة.
طوف وشوف
كل دي كانت كنوز الماضي
شوف حاضر بلادي
شوف كنوز الثورة فيها
والمواهب والأيادي
اللى بيهم سدنا يعلا
وفيض الله يزيد
يزحفوا بالميه تخلق
م العدم عالم جديد
يكشف سر الصحارى
يصهروا عزم الحديد
يوصلوا الدنيا بقنالنا
من هنا من بور سعيد
…………
والآن تعالي لترى فخر مصر في كل اسرة مصرية أرسلت ابنها وبطلها لينضم الى جيشنا العظيم الذي يحمي ثراها من كل من يعتدي عليها. هؤلاء الابطال يبنون نهضتنا بعزمهم وارادتهم فلا نهضة بلا أمان. ويبدع الشاعر في التعبير حين يصف تفاعل أرض مصر مع أهلها، فأرضها تبوس أقدامهم وهم يسيرون عليها وتحتضنهم وتفخر وتتباهى بهم أمام العالم وتقول هؤلاء هم أولادي. ما هذه العظمة وهذا الفخر! فحين تطلَّع أبناء مصر الى الحرية من مستعمريهم قاموا ونهضوا وتخطوا المحال لانهم شعروا لأول مرة منذ قرون أن أرضهم الغالية قد عادت ملكًا لهم فأصبح أملهم عملًا وتضحية، وأصبح خيالهم نضال وبذل. هذه هى مصر أيها الضيف الكريم، مصر التي قامت بثورة قادها واحد من أبنائها إجتمع على حبه أهل مصر لأنه وقف بجانب الفقير والمحتاج منهم.
طوف وشوف
الجنود اللى بيحموا
مجدنا من كل عادي
الصفوف اللى يبنوا
بعزمهم نهضة بلادي
اللى خطوتهم تبوسها
ارضنا وتقول ولادي
نادوا بالحرية
قام الشعب وأتحدى المحال
والأمل اصبح عمل
والخيال اصبح نضال
هى دي ثورة بلادي
اللى حققها جمال
…………
ومهما كانت آرائك الآن عن ثورة المصريين في يوليو أو في يناير أو يونيو الا أن كل منهم بلا شك كانت حراكًا من شعب يحب بلده ويبغى رفعتها لأنه يعشق ترابها فهى الحضن الذي يضمنا جميعًا له وبه. ومهما اختلفنا في اسلوب حبنا لمصر فلوننا مازال واحدًا ودمائنا مازلت ممتزجة ومروية بماء نيلنا الخالد لتنبت بفخر وعزة من أرضنا الخصبة. هذه مصر أيها الضيف… ويكفينا أننا جميعًا نحبها!