د. فيروز الولي تكتب :الحوثي وعبد المأمور: القوة الصريحة مقابل الضباب المبعثر

في اليمن، ثمة درس صارخ: ليس كل من يحمل اسم الدولة هو من يحكمها. أحيانًا يكون العدو المعلن، الذي يطلق النار ويهدد، أوضح وأكثر وزنًا من من يُفترض أنه يمثّل الدولة، لكنه بلا قرار، بلا وضوح، وبلا تأثير—عبد المأمور رمز ذلك.
المواطن اليمني يجلس ينتظر راتبه، بينما مندوب الحوثي في الرياض يوقع اتفاقًا بقرار واحد. القرار واضح، التنفيذ مباشر، بلا وسطاء، بلا ضبابية. وفي الداخل؟ عبد المأمور يرسل بيانات، يعقد اجتماعات، ويطلّ على الشاشات… بلا وزن، بلا أثر.
المواطن بين القوة والواجهة
الحوثي يفرض واقعًا، يقرر، يُنفذ. العدو الصريح، ولو قاتل، يُعرف حدوده.
عبد المأمور يُرسل بيانات متناقضة، ووعودًا معلقة، وفوضى يومية.
النتيجة: المواطن مشتت نفسيًا واجتماعيًا. الثقة منهارة، والانقسام حاد. العدو الصريح أهون من واجهة تدعي تمثيلك بينما تسرق كل شيء باسم الشرعية.
القرار والسياسة
الحوثي: مندوب واحد، خطاب واحد، تنفيذ مباشر، حضور قوي على الطاولة الدولية.
عبد المأمور: سبعة رؤوس، سبع مصالح، سبعة تناقضات. لا يُستشار أحد، والقرارات تتأخر أو تُلغى قبل أن تُطبق.
الوقار السياسي هنا ليس أخلاقيًا، بل وظيفي: وقار القوة لا وقار الحق.
الاقتصاد والفوضى
الحوثي: موارد محدودة، لكنه يوجهها بصرامة نحو أهدافه.
عبد المأمور: موارد تُهدَر، رواتب مفقودة، والدولة تتحوّل إلى ماكينة هبات سياسية ومصالح ضيقة.
لو وُجهت هذه الصرامة نحو الإصلاح الداخلي، لكان الشعب رابحًا والدولة قائمة.
الجيش والإمدادات
الحوثي: قرارات مركزية واضحة، الجنود يعرفون واجبهم، الإمدادات تصل بانتظام.
عبد المأمور: جنود بلا قيادة، ذخائر بلا توزيع، عمليات بلا خطة. المعركة الكبرى ليست ضد الحوثي، بل ضد الفوضى الداخلية.
الإعلام
الحوثي: يعرف متى يضرب ومتى يفاوض، إعلامه صريح ومباشر.
عبد المأمور: الإعلام الرسمي يلهث وراء الصور الرمزية، ويحوّل الفشل إلى بيانات. السخرية الوحيدة المتاحة للمواطن: كوميديا سوداء.
القانون والدستور
الحوثي: رغم المخالفات الدولية، يمتلك آلية تنفيذ صارمة.
عبد المأمور: القوانين تُعرقل، الدستور يُستغل للتبرير، السلطة بلا وزن.
لماذا لا تواجه الشرعية الحوثي؟ خوف أم صفقة تحت الطاولة؟
الجواب الصادم: الواضح على الورق، والمبهم على الأرض.
الحوثي يقرر، ينفذ، ويحجز مقعده على الطاولة الدولية، بينما عبد المأمور يتأرجح بين بيانات متضاربة وسبع مصالح متناقضة.
الخوف من المواجهة المباشرة؟ ربما. مواجهة الحوثي تعني قرارًا موحدًا، تنفيذًا حقيقيًا، ومسؤولية مباشرة. والشرعية لم تُدرَّب على اتخاذ القرارات… بل على تدوير المكاتب وإصدار البيانات الإعلامية.
تحالفات تحت الطاولة؟ قد يكون. بعض الشخصيات داخل الشرعية تبدو وكأنها تضحك على الرياض وأبوظبي، وتؤجل المواجهة يومًا بعد يوم، ما يمنح الحوثي مزيدًا من الأرض والوزن.
سخرية الواقع: كل اجتماع لمواجهة الحوثي يتحول إلى محاكمة للسلطة نفسها، والموظفون يناقشون “الإستراتيجية”، والمواطن يشاهد، يضحك ويبكي في الوقت نفسه.
النتيجة الدرامية: الحوثي على الطاولة، يفرض شروطه، يزداد وقارًا. عبد المأمور يبقى رمزًا لمؤسسة بلا جسد، سلطة بلا قرار، تضحك تحت الطاولة، لكنها عاجزة في العلن، مضطربة، ومخادعة للشعب.
السخرية اللاذعة
لو كان الفساد أولمبيًا، لكانت عبد المأمور حاصدة الذهب في كل فئة: نهب الرواتب، رمي الميزانيات، الوثب الطويل فوق القانون والدستور.
والمواطن يشاهد ويضحك مرًّا… لأنه لا يملك سوى الصبر، أو فقدان عقله.
الخاتمة
الحوثي عدو واضح، عبد المأمور يمثل سلطة بلا قرار.
من يجبر خصومه على الجلوس معه يملك وزنًا.
من لا يُستشار في مصير بلده مجرد واجهة.
حين يصبح التفاوض مع العدو أكثر كرامة من العيش تحت سلطة تدعي تمثيلك، فاعلم أن المشكلة لم تعد في الخصم، بل في من سرق الدولة وترك الشعب بلا دولة.
اليمن اليوم ليس مجرد ساحة حرب، بل مرآة صارخة: عدو معلَن، وخصم داخلي أخطر، وسلطة تتوهم أنها تمثل، بينما المواطن وحده يدفع الثمن الكامل.