حمزه الحسن يكتب : سطحية الشر

ـــــــــــ الشر ليس دائمًا نتيجة لتطرف إيديولوجي، بل قد ينبع من عجز الشخص عن التفكير النقدي والتمسك بالمعايير الأخلاقية* حنة أرندت. تفاهة الشر.
ليس كل افعال الشر تصدر من دوافع عميقة عقائدية او ايديولوجية او عاطفية بل في حالات كثيرة تصدر بسبب السطحية والمزاج والتفاهة والضحالة الاخلاقية ورغبة التمتع لكننا في أسوأ تقليد نمنح كل مجرم وقاتل ومحتال هوية مزيفة كقاتل او محتال لدوافع عميقة.
في كتابها” إيخمان في القدس: تفاهة الشر” عندما حضرت حنة أرندت محاكمة النازي أدولف أيخمان في القدس عام 1961 الذي خطف من الارجنتين لم تجد أرندت في أيخمان وحشًا أيديولوجيًا متصلبًا أو شيطانًا ساديًا مدفوعًا بكراهية بل وجدته شخصية ضحلة وسطحية وتافهة وجرائمه لا تنبع من دوافع عميقة بل هو مجرد ” قاتل مكتب” ينفذ واجباً.
في متابعة متفحصة مستمرة لكل عبارة وحركة لرموز النظام السابق في المحكمة لم يذكر أحدهم إن دافع القتل في هذه الحوادث او تلك تم لأسباب عقائدية بل الجميع بلا استثناء تحدث عن فكرة” الواجب” مع انهم جميعاً تقريباً في القفص يحملون هويات قيادية حزبية.
عادة هذا النوع من الشخصيات المريضة تعيش في عالم من القوالب والتصنيفات الشائعة والحدود القاطعة عن الاشخاص والجماعات وتصنيفهم على أسس سطحية نمطية لتبرير العدوان عليهم ولاحظت أرندت ان ايخمان عاجز عن التفكير في دوافع أعماله لانه منفذ مهمة بلا سؤال أخلاقي. أرندت تذهب هنا أبعد من موضوع النازي الى أن الشر نفسه سطحي وانه يمكن ان يقوم به من قبل افراد عاديين غالبا نحن العرب ما نمنح هؤلاء هوية عقائدية او ايديولوجية مما يشكل مخرج طوارئ للقاتل ويعفيه من الجريمة الى دوافع عميقة تربى أو تعلم عليها وليست هذه الحقيقة.
غالبا ما يكون هذا الصنف” صائع وضائع” بلا هوية شخصية ويجد في جماعة هوية جديدة تنقذه من عاره وبؤسه ويحمل هوية الجماعة أو المنظمة ويختفي تاريخه الشخصي الذي يتحول الى نسيان ويبدأ في بناء ذاكرة جديدة لا تتأسس على عقل أو ضمير أو دين أو فكرة بل هذه أقنعة.
عندما يقوم أشخاص باطلاق الرصاص على تجمع للشباب لا يعرفونهم من بندقية بي كي سي مخصصة لابادة الحشود كما حدث في ساحة الخلاني في بغداد في تشرين 2019 والنتيجة عشرات القتلى ، كيف يمكن منح هؤلاء هوية سياسية أو دينية؟
ليس كل فعل نتيجة تحليل عميق بل كثير من أفعال الشر حتى في العلاقات العاطفية تقف خلفها دوافع مرضية دفينة سرية لأن الانسان السوي والطبيعي يعتقد مسبقاً ان العاطفة نقية لكن كشفت العلوم والتجارب ان كثيراً من أفعال الشر العاطفية كالخيانة والغدر قد تقف خلفها دوافع مرضية Pathological Motives مخفية بعناية وعميقة الجذور في ذات محطمة استعراضية.
إن غالبية قصائد الشعر العربي عن أحزان الحب والهجران والفقدان قد تقف خلفها أسباب لا تخطر ببال لا علاقة لها بالعاطفة ولا يمكن زرع فكرة التضحية في ذات مزيفة مصابة لو كتبت لها كل قصائد العالم بل سيكون هذا دافعاً اضافياً للتلذذ لأن الذات المشوهة ترى الحياة بصورة مقلوبة ومخيفة ومقلقة لاواعية ومن خلال سلوك تعويضي شرير تحاول اعادة تشكيل احترامها لنفسها المفقود الذي لن يعود بهذه الطرق بل يتفاقم لان السبب عطب وخلل بنيوي في الذات وليست مشكلة عابرة تُحل.
عادة نذهب الى التفسير الواحد لاحداث معقدة ومركبة ودوافع خفية ومثلا وقف مجرمون انذال بجرائم مخلة بالشرف امام المشنقة بكل ثبات وسخرية من الجلادين ولا يعود السبب الى شجاعة وقوة شخصية كما نفسر دائما بل تقف خلف هذا” الثبات الانفعالي” دوافع كالخوف من الشماتة والحفاظ على الصيت والسمعة وترك بصمة استعراضية كما ان الشخصية السيكوباتية تتميز بهذا الثبات من خلال خلق سيناريو داخلي يبرر الجريمة.
التهرب من الذات بتدمير أخرى هو ” صفقة مغبون” حسب وصف أحد علماء النفس لأنها صفقة عابرة وسطحية وتراكم الأزمة وتجعلها كابوساً يومياً وبحثاُ عن ضحية جديدة كالأدمان على المخدرات باختراع عناوين مزيفة.
فسر أدوارد سعيد قتل ميرسو في رواية البير كامو” الغريب” للعربي على الشاطئ على انه سلوك عنصري وعندما سئل ميرسو في المحكمة عن الدوافع وراء القتل فشل في تقديم أي دافع سوى عبارة” بسبب الشمس” وشعر بانعكاس الشمس على نصل السكين وليس قرارا عقليا كما فسره أدوارد سعيد . لم تكن الكراهية ولا الانتقام ولا العرق خلف الجريمة بل اللامبالاة وعيش اللحظة وخواء عاطفي. كان السبب عدم وجود سبب يمنعه من الجريمة وهذا هو عبث الحياة كما يراه كامو. ليس كل افعال البشر تنبع من دوافع منطقية بل الصدفة والنزوة والسطحية والعقد الخفية ونزعة التشفي والتمتع المرضي بالاذى والالم والبحث عن مكانة بل الانتقام لاسباب خاصة وغيرها الكثير.
الحاجة العميقة للبحث عن أسباب عميقة وهوية لكل فعل إجرامي هو سلوك نمطي خاطئ برمج عليه العقل البشري في البحث عن دوافع وأسباب عميقة لكل فعل قذر وبشع لأن العقل لا يحب الفراغ ولا يريد أن يكون كخشبة طافية فوق مياه صاخبة والقول ان هذا الحدث الشرير تم لأسباب تافهة أو مرضية أو تشوهات نفسية خفية يشكل تهديدا وتحدياً للعقل وللكرامة الشخصية الذي اعتاد على تفسير” منطقي” لكل حدث، وعدم العثور على سبب عميق يهدد سيطرتنا على العالم وعلى أنفسنا لذلك يستريح ويهدأ غالبية الناس من تفسيرات سطحية ملفقة ومركبة لحوادث بدوافع مختلفة سلباً أم ايجاباً للخروج من دوامة الفراغ .
هناك ميل الإنسان إلى البحث عن التفسيرات الكبيرة حتى لو كانت الاسباب تافهة وسطحية ليس بدافع الكرامة وحده دائما بل لان هذه طريقة بعض العقول في ان النتائج الضخمة لابد انها حصلت لاسباب ضخمة كما ان السبب السطحي والتافه مقلق جدا لانه ينقل المعركة الى داخل الشخص الضحية لانه بنى سردية زائفة في انه ضحية حدث او احداث كبيرة ، فكيف وقع في فخ سطحي؟ كما ان البحث عن سبب عميق للفشل والاحباط والهزيمة يعطي الفرد تبريرا مزيفا ومقنعا في انه ضحية قوة او ظروف قاهرة والخداع الذاتي تقنية بشرية قديمة.
لم يكن ميرسو عنصرياَ ولا ايخمان نازياً ولا من قتل الشباب برشاش بي كي سي عقائدياً وهذا التبسيط يجعل العدو واضحاً في الظاهر ومن الصعب جداً أن تشرح لشخص أو ضحية ما أن السبب ليس كما تخيله عن دوافع عميقة بل قد يكون الضجر والفراغ والضحالة الاخلاقية ونزوة عابرة بدل القول ان هناك دوافع عميقة خلف الفعل الشرير لأن الدوافع السطحية تشعرنا بعدم القيمة لذلك يكون التفسير المضخم الزائف باب طوارئ للمأزق أفضل بكثير من سبب سطحي وتافه وحقيقي.