د. فيروز الولي تكتب :مقومات صمود البيت الخليجي… وهل حان وقت تجرّعه من الكأس نفسها؟

لطالما وقف البيت الخليجي على الشرفة،
يراقب الحرائق العربية من علٍ،
يوزّع النصائح،
ويوقّع الشيكات،
وأحيانًا… يشعل عود الثقاب ثم يعود للظل.
في اليمن، في سوريا، في ليبيا، في السودان،
لم يكن الخليج مجرد متفرّج،
بل شريكًا في هندسة الفوضى:
مرة باسم “الشرعية”،
ومرة باسم “الاستقرار”،
ودائمًا باسم “الأمن القومي”.
اليوم، ومع تصاعد الخلافات داخل البيت الخليجي نفسه،
يبرز السؤال المزعج:
هل يملك الخليج مقومات الصمود؟
أم أن ساعة تذوّق الكأس التي سُقيت منها الشعوب الفقيرة قد اقتربت؟
أولًا: بماذا صمد البيت الخليجي أصلًا؟
لنكن واقعيين، لا أخلاقيين.
البيت الخليجي لم يصمد لأنه أعدل،
بل لأنه أغنى، أذكى في التحالفات، وأقل كلفة في القمع.
مقومات الصمود كانت واضحة:
المال قبل السياسة
النفط لم يكن نعمة فقط، بل درعًا واقيًا.
كل أزمة كانت تُشترى،
وكل غضب يُطفأ بالدعم أو الإعانات.
التحالف الدولي الصلب
الخليج لم يواجه العالم…
بل كان جزءًا من ترتيباته الأمنية والاقتصادية.
ما سُمح بسقوطه في بغداد وطرابلس ودمشق،
كان ممنوعًا الاقتراب منه في الرياض وأبوظبي والدوحة.
غياب الجمهوريات داخل الخليج
لا انقلابات،
لا جيوش عقائدية،
ولا صراعات هوية حادة.
الدولة هناك سبقت الفوضى، لا العكس.
ثانيًا: ماذا اقترفت “يدا” البيت الخليجي؟
في اليمن:
حرب بلا أفق.
دولة تحوّلت إلى ملف.
شعب دُفع إلى المجاعة باسم “التحرير”.
في سوريا:
تمويل فوضى أكثر من بناء حل.
صراع بالوكالة، لا مشروع دولة.
في ليبيا:
دعم أطراف متناقضة.
إطالة أمد الانقسام باسم “الاستقرار”.
في السودان:
مصالح فوق الدولة.
استثمارات بلا سياسة، وسياسة بلا أخلاق.
الخليج لم يدمّر هذه الدول وحده،
لكنّه ساهم في إدامة خرابها،
ثم تساءل ببراءة:
لماذا لا ينهضون؟
ثالثًا: هل تتشابه الظروف؟
هنا بيت القصيد.
الخليج يختلف عن اليمن وسوريا وليبيا في ثلاث نقاط حاسمة:
لا فقر مدقع.
لا جيوش منهارة.
لا انقسام اجتماعي قاتل.
لكنّه يشبههم في نقطة خطيرة واحدة: تراكم الأزمات المؤجلة.
الخلافات الخليجية اليوم ليست شعبية،
بل نخبوية – سلطوية – استراتيجية.
وهذا أخطر،
لأن انفجار القمة حين يحدث…
لا يستأذن القاعدة.
رابعًا: هل حان وقت “الارتداد”؟
ليس بالمعنى الكلاسيكي.
لن نرى:
ثورات جياع.
ولا دبابات في الشوارع.
لكن قد نرى:
تصدّع الثقة داخل البيت الخليجي.
صراعات نفوذ أكثر حدّة.
استخدام أدوات ناعمة بدل الفوضى الخشنة.
الارتداد الخليجي – إن حدث –
سيكون بطيئًا، باردًا، ومكلفًا…
لا دمويًا وفجًّا كما حدث في الجمهوريات.
خامسًا: مقومات الصمود… ومواطن الخطر
ما يزال الخليج صامدًا لأن:
المال حاضر.
الدولة متماسكة.
الخارج داعم.
لكن الخطر يكمن في:
إدارة الخلاف لا حلّه.
تصدير الأزمات بدل معالجتها.
الاعتقاد أن النار لا تعود إلى من أشعلها.
خاتمة
البيت الخليجي لم ينهَر،
ولم يُكتب عليه السقوط… بعد.
لكنه لم يعد بريئًا،
ولا محصّنًا أخلاقيًا،
ولا بمنأى عن قانون التاريخ.
من يزرع الفوضى طويلًا،
قد لا يحصدها فورًا،
لكنّه يعلّمها الطريق إلى بيته.
والسؤال الحقيقي لم يعد:
هل سيذوق الخليج ما أذاقه لغيره؟
بل:
هل سيتعلّم قبل أن يذوق؟
أم يكتفي بالثروة… حتى آخر جدار؟